ومن هنا يختلف في وصفه حبيبه عن حبيبته، لأنه لا يتحدث عن تمثال من الرخام، ولكن عن إنسانة حية تعيش في نفسه بمميزات خاصة. هذه المميزات قد يكون بعض العيوب فيها أعز على نفسه من بعض المحاسن، وأدعى لتعلقه بها، كالوالد لا يحب أبناءه لهدوئهم وآدابهم وحدها، وقد يكون الطفل المتعب أو الشاذ أكثر استمتاعًا بعطفه، وقد يكون حبه لهم على حسب ما بذل مع كل منهم من جهد، وما أنفق من علاج، وتلك من أسرار النفس الإنسانية
الصدق الجميل، الذي يعبر عن الحقائق النفسية، ويصور الحياة المتدافعة المتماوجة هو الذي أملى على العقاد ما كتب عن حبيبته، لأنها كانت هكذا في نفسه؛ فما يهمه أن يختار لها أجود النعوت، واحسن الأوصاف، بقدر ما يهمه تصويرها على حقيقتها في نفسه
فمن شاء أن يلتمس المبالغة الصفات المستحسنة وحدها من كل ما يتخيل فيه الجمال، فسبيله إلى ذلك شاعر آخر غير العقاد، ممن لا يحبون بقلوبهم وأعصابهم، بل بأذهانهم وأسماعهم. وهذا مفرق الطرق، والرمز الذي لا يخطئ في تميز المدرستين
ثم شاء أن يتحدث عن قصة (قزح وقوسه) على مثال ما تحدث عن (من كل شيء) فلم يشأ أن يفهم ما في الدعابة من طرافة وحيوية، لأن (قزحًا) هذا ليس (مشتهرًا) بالجمال حتى تصلح المقابلة بينه وبين الجميلات
فهنا رجل يتصدى للنقد، ولكنه يتوكأ على أحكام السلف، فان وجد فيها أن قزحًا مشهور بالجمال فذاك، وإن لم يجده مشهورًا فلا يمكن أن يكون جميلًا، ولا يستطيع هو أن يرى إن كان هكذا أو كان قبيحًا، لأنه لا يستمد النقد مما يحس ويرى، ولكن يستمده مما يقرأ ويحفظ
ومثل هذا لا نطمع أن يماشي العقاد في سموقه وتفرده، ولا أن يتابع كذلك شروحنا للعقاد وطريقته، ولكني سأتحدث لمن يشاء أن يستمع
إن العقاد فنان دقيق الحسَّ في تميز الألوان والأضواء والظلال، وفي نفسه غرام بالنور يجعله يلتفت أبدا لومضاته وخفقاته (وقد وفيت شرح هذا في محاضرة لي عن وحي الأربعين عام 1934 نشرت وقتها بالجهاد، فليرجع إليها من شاء)
ومن هنا كان انتباهه لقوس قزح وألوانه وأطيافه، وكان تشبيه (مطارف الحسان وطرفهن) بهذه الألوان والأطياف، التي زاحمن قزحًا عليها حتى ظفرن بها منه، فألقى لهن بها وأدبر