عارية من صقل جبلت وفاقًا للطبع المركب فينا، والأخرى مختلفة اختلافًا بفعل التثقيف والتهذيب، ومنسقة تنسيقًا صناعيًا بيد الاجتماع والمتواضع عليه. ثم استطرد البحث ليقول إن عقلنا - وهو واعيتنا الظاهرة - لا يجيب غير ما يصدر من الذات الأخرى التي هي من صنع التثقيف والتهذيب، ولكن قد يقع كثيرًا أن تتغلب الذات البدائية العارية من كل صقل وتنسيق فتجمح النفس وتبدو منها بادرات طارئة ي القول أو الفعل تبدو غريبة معقدة، وتلمع في النفس لوامع خاطفة لا تعلل ولا تفصل!
برجسون (1859 - 1940)
وانبرى الفيلسوف الفرنسي برجسون يشن حربًا شعواء على النزعة الآلية والمادية وليدة العلم و (المعمل) ، ويخطئ من يحسب الإنسان آلة صماء في يد القوانين المادية، وهاجم الذكاء والمنطق لينادي بوجود عنصر جديد في النفس أسماه ' به أكثر مما نعيش بذكائنا ومنطقنا، أي بالعقل. ثم حدد العقل الظاهر أو الواعي بما مفاده أن هذا العقل الظاهر ليس إلا جزءًا من كياننا النفسي العام، ودوره عملي خالص لا يتجاوز إلقاء ضوء مزدوج على أطراف الأشياء والتي يجب أن نعملها، وعلى نواحي الفكر التي تتولاها، وأنه ليس لهذا العقل الظاهر أن يفسر الأشياء وأن يفصح عنها. ثم قرر برجسون بعد ذلك: أننا نتجاوز أحيانًا في أعمالنا الحدود والمعالم التي يقيمها العقل الباطن الظاهر، وأننا خاضعون في تصرفاتنا إلى العقل الباطن، باعتبار أنه النبع الخفي البعيد الغور المترامي الأطراف الذي ينساب منه في خيط دقيق ماء رقراق، هو عقلنا الظاهر!
كل هذا مع ما جاء على غراره جعل الحياة الباطنة تتغلب على الحياة الظاهرة؛ فأخذ علم النفس يتجه اتجاهًا جديدًا، يتخلص في أن العقل الواعي إنما هو شيء ظاهر سطحي لشيء باطن عميق قابع في أغوار النفس؛ وأنه إذا أردنا أن نبحث عن تفسيرات تلك التعقيدات النفسية من بادرات طارئة وواردات غربية فلنطرق باب العقل الباطن حيث لا سلطان للعقل والذكاء، ولا صوت للمنطق والإرادة، وحيث الغرائز تتشابك وتفور
زكي طليمات