وخرجت، وعلى غير وعي! على غير إدراك؛ دلفت إلى المقابر. وثم رأيت رمسها بسيطًا جدًا. . . رأيت صليبًا من الرخام نقشت عليه هذه الكلمات؟. . .
(أحبتني وأحببتها ثم ماتت) !
كانت هناك! في أسفل! عظامًا نخرة! يا للهول!
لبثت هناك طويلًا، طويلًا. . . ولما أقبل الليل قامت في نفسي رغبة غريبة، رغبة مجنونة، رغبة نفس قانطة! تشوقت إلى قضاء الليلة قريبًا منها. . . ليلة أخيرة أذرف دمعي على قبرها!
ولكنهم سيبصرون بي وسيطردونني؛ فما العمل؟. . . نهضت، وأخذت أضرب في مدينة الموتى هذه. . . مضيت! مضيت! كم هي صغيرة هذه المدينة إلى جانب أختها؛ تلك التي نراها، ومع ذلك فالأموات أكثر عددًا من الأحياء.
وأنه لمن المفارقات حقًا أن تكون كل هذه الدور الفخيمة، والميادين الفسيحة؛ كل هذه المساحة الشاسعة للأحياء القليلين، يرقبون النهار ليتنفس، ويكرعون ماء الينابيع وسلاف الكروم، وينعمون بخيرات السهول، بينما لا يكون لكل أجيال الموتى شيء. . . حقل. . . تقريبًا لا شيء. تستردهم الأرض. تجعلهم نسيًا منسيًا. . . تبتلعهم. . . ثم الوداع!. . .
وفي نهاية القبور المأهولة، أبصرت فجأة القبور المهجورة، حيث بليت جسوم الموتى على طول الزمن وتم اختلاطها بالثرى! حيث الصلبان نفسها قد تداعت. . . وحيث يرقد في الغد هؤلاء الذين قدر لهم أن يفنوا. . . مكان مليء بالورود المبعثرة، وأشجار السرو السوداء السامقات. . . حديقة حزينة شاسعة تعيش على جثث البشر. . .
وكنت هناك وحدي فتسلقت شجرة خضراء وتواريت بين أفنانها الغليظة الظليلة كغريق يتشبث بما يصادفه. . .
ولما إحلولك الليل. . . غادرت مكمني ومشيت في خطوات وئيدة في خطوات مخنوقة على هذه الأرض المفعمة بالموتى. . . وأخذت أجول طويلًا طويلًا دون أن أقف لقبرها على أثرها. . . الذراعان ممدودتان. . . العينان مفتوحتان. . .
متلمسًا القبور بيدي، بقدمي، بساقي، بصدري، برأسي نفسه. . .؟
مضيت كضرير يتلمس طريقه. . . لمست الأحجار، والصلبان، والنوافذ الحديدية،