(هنا يرقد(جاك أوليفان) المتوفى في الواحدة والخمسين من سني حياته، تعجل بقسوة قلبه موت أبيه ليرثه، عذب زوجه، أشقى أولاده، خدع جيرانه، سرق كل ما استطاع سرقته، ومات شقيًا. . .!)
.. . ولما انتهى الميت من كتابته أخذ يشهد نتيجة عمله. . . ولاحظت في عودتي أن كل القبور قد فتحت، وأن كل الهياكل العظمية خرجت منها، وان الجميع مسحوا تلك الأكاذيب التي خطها ذووهم على قبورهم ليوهموا على الناس؛ ورأيت أنهم كانوا جميعًا قساة القلوب، حقودين، مرائين، كذابين، خبثاء، مفترين، حسادًا. . . رأيت أنهم سرقوا وخدعوا وارتكبوا كل الأفعال المخجلة، ووصموا بكل خلق دنيء. . . وهؤلاء الآباء الطيبون. . . هؤلاء الزوجات الوفيات. . . هؤلاء الأبناء المخلصون. . . هؤلاء الحفيدات العفيفات. . . هؤلاء الرجال وهؤلاء النساء. . . لا لوم عليهم جميعًا، لأنهم لا يستطيعون أن يقرروا الحقيقة المؤلمة. . .!
وراحوا جميعًا يخطون في وقت واحد على عتبة مسكنهم الأبدي الحقيقة القاسية، الحقيقة المروعة، الحقيقة المقدسة، التي يجهلها الجميع أو يتجاهلونها وهم على قيد الحياة. . .!
وأيقنت أنها لا بد قد قامت تكتب على جدثها، وبدون أدنى خوف الآن. . . فركضت وسط التوابيت نصف المفتوحة، وسط الجثث، وسط الهياكل العظمية. . . مضت إليها واثقًا أني سأجدها في الحال. . . ورأيتها من بعد. . . من غير أن أستجلي وجهها، لأنها كانت قد غطته بالكفن. . . وعلى الصليب الرخامي الذي قرأت عليه منذ برهة:
(أحبتني وأحببتها ثم ماتت!)
لمحتها تكتب: (خرجت يومًا لتخون زوجها، فأصابها برد تحت شؤبوب منهمر وماتت!)
ورأيتني أهوى إلى الأرض مغشيًا عليّ. وفي اليوم التالي وجدوني مسجى إلى جانب مقبرة. . .!
(المنصورة)
كمال أحمد رستم