وتمثلت له أفكاره أشباحًا تضطرب في الفضاء اللانهائي تحجب عنه نور القمر البهيج، فانطوى يحدث نفسه حديث فلسفته الجديدة، فلسفة الشك والحيرة، قال:
(رُب يوم قضيت في أمن ودعة، ناعم البال مطمئن الخاطر؛ فما لهذا القمر يبدو كاسفًا حزينًا، وما لهذه الجبال تتراءى معفرة غبراء، ومالي أحس كأن أنفاس الليل الهادئة تهب قاسية لتصدع صدري في غير رحمة ولا شفقة! إن قلبي لتهده الوحشة وأنا بين أهلي. أفيكون هذا لأنني سأغدو على حرب قوم هم مني وأنا منهم؟ لقد صبئوا واعتدوا فحق عليهم عقاب
(يا ويلي! أفحقًا ما جاء به محمد؟
(تاالله إنه لأمر عظيم. لقد عرضنا عليه المال حتى يكون أكثرنا مالًا، والشرف والملك حتى يكون سيدنا ومليكنا، فأبى وتعفف وقال: ما بي ما تقولون. . . فماذا بقي من عَرضَ الدنيا يبتغيه ذو حاجة!
(وتسللت - مرة ومرة - في خفية وحذر أتسمع ما يقول وأرى رأيي فيه - وعندي أنه كان بيننا غلامًا حدثًا غير متهم في قول أو فعل، فغير جدير به أن يتقول علينا بعض الأقاويل بعد إذ بدأ الشيب في صدغيه - فألقيت كلامًا حلوًا عذبًا ليس بينه وبين قلب اللبيب من حجاب، فصبوت إليه وهفوت نحوه؛ غير أن عنتًا أصابني فقلت للأخنس بن شريق حين سألني رأيي: ماذا سمعت؟ تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف؛ أطعموا فطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا؛ حتى إذا تحاذينا على الركب، وكنا كفرسي رهان قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك مثل هذه؟ والله لا نؤمن به أبدًا ولا نصدقه
(هذا هذا، يا قلبي!
(وتأججت نار الحسد والبغضاء في قلبي، فاندفعت أريد أن أقتله أو يقتله عصبة منا فما استطاع واحد أن يخلص إليه. يا لقلبي، كيف حيل بيني وبينه؟ لا ريب فهو قد سحرني أو أن خادمًا من الجن أزعجني عنه
(كلا، كلا؛ فو الله ما هو بساحر!
(آه؛ لطالما سكنت إلى نفسي فما ودت إثمًا قد قارفه، غير أن له رأيًا هو جعلني أحمل له ضغنًا، فانطلقت أشتط في السخرية منه، أسفه من حمله، وأضع من شرفه، وأعذب