فهرس الكتاب

الصفحة 161 من 761

وأما ما كلّف به - صلى الله عليه وسلم - من الأفعال فهل ينسى فيفعل ما نهى عنه، أو يترك ما أمر به سهوًا عنه.

تقدم أن الإمامية من الشيعة، والرازي في بعض كتبه، وبعض من تابعهم وغلا في النبي - صلى الله عليه وسلم -، منع صدور النسيان عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

وقد احتجوا برفعة مقام الأنبياء، وأن النسيان ينقص من أقدارهم.

ويجاب عن ذلك بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يخرج عن طبيعته البشرية المقتضية لوقوع ذلك منه. قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"إنما أنا بشر مثلكم -في رواية: أذكر كما تذكرون و- أنسى كما تنسون" [1] .

وقد استثنى بعض الذاهبين إلى امتناع النسيان عليه - صلى الله عليه وسلم -، فأجازوا أن يسهو في أحوال خاصة، ليعلِّم أمّته كيف يصنعون إذا نسوا، كما سها في الصلاة، فعلمهم سجود السهو [2] . واحتجوا بحديث رواه مالك في موطئه [3] ، بلاغًا، وانفرد به، ونصّه:"إني لأنسى أو أُنَسّى لأسُنّ". وقد قال بعض الذاهبين إلى ذلك: إنه - صلى الله عليه وسلم - كان يتعمد أن ينسى في الصلاة ليسنّ [4] . وذلك خطأ، فإن تعمد السلام من اثنتين في الظهر مثلًا يبطل الصلاة والبيان بالقول كاف، فلا ضرورة تُلْجئ إلى ذلك. هذا بالإضافة إلى عدم معقولية تعمُّد النسيان.

والقول الثاني: وهو الصواب إن شاء الله: جواز نسيان التكليف والسهو فيه. وبهذا قال الرازي في كتابه (عصمة الأنبياء) ، والآمدي والغزالي والباقلاني وغيرهم، وهو قول جمهور العلماء، بل ادّعى بعضهم الإجماع عليه [5] .

(1) رواه أحمد وابن ماجه (الفتح الكبير) ورواه مسلم 5/ 66 والبخاري صلاة/ 31

(2) الزركشي: البحر المحيط 2/ 246 ب.

(3) البناني: حاشيته على شرح الجوامع 2/ 95

(4) البحر المحيط 2/ 247 أ، الشفاء 2/ 144 ونسب هذا القول إلى أبي المظفر الإسفرائيني.

(5) الشوكاني: إرشاد الفحول ص 35

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت