إذا تحقق التعارض وجهل التاريخ امتنع القول بالنسخ كما تقدم، وقد اختلف الأصوليون في ما على المجتهد أن يصنعه حيال ذلك، على مذاهب:
الأول: أنه يقدم القول، لأنه الأصل في البيان، ولأنه أقوى في البيان من الفعل. قال العضد:"ولأن العمل بالقول يبطل مقتضى الفعل في حق الأمة فقط، ويبقى في حقه - صلى الله عليه وسلم -، والعمل بالفعل يبطل مقتضى القول جملة" [1] .
وإنما يرد دليله هذا إذا كان القول خاصًا بالأمة، أما إن كان القول عامًا لنا وله فلا.
وإلى هذا القول ذهب الجصاص [2] والشيرازي والرازي والآمدي وابن حزم وأبو شامة والعلائي وغيرهم.
الثاني: أنه يقدم الفعل، لأنه أقوى في البيان عند من قال به. ولم ينسب هذا القول إلى قائل معين. ونسبه أبو الخطاب في التمهيد [3] إلى بعض الشافعية.
وقد تقدم لنا في الباب الأول ذكر مسألة الوازنة في القوة، بين القول والفعل، وبيّنّا هناك ما استدلّ به كل من الفريقين.
الثالث: الوقف عن الترجيح، وذلك لأن لكل من الطرفين جهة يترجح بها، فيتعادلان. وإليه ذهب الباقلاني والغزالي وابن القشيري [4] .
(1) شرح المنتهى 2/ 151
(2) أصول الجصاص ق 199 أ.
(3) ق 92
(4) العلائي: تفصيل الإجمال ص 152 أ، الزركشي: البحر المحيط 2/ 255 ب.