وقد ذكر ابن حجر أن ذلك يحمل على ثلاثة أوجه:
الأول: أنه - صلى الله عليه وسلم - حرَّم ذلك على علي خاصة.
الثاني: أن الجمع كان مباحًا لعليّ، ولكن منعه - صلى الله عليه وسلم - من ذلك رعاية لخاطر فاطمة، وقَبِل علي ذلك امتثالًا لأمر النبي - صلى الله عليه وسلم -.
الثالث: إنه من خصائص النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يحرم التزوج على بناته. أو على فاطمة خاصة، وهو راجع إلى الأول.
ولما كان الأصل عدم الخصوصية كما تقدم فإن أصوب ما تحمل عليه القصة الوجه الثاني، ويكون ما وقع من النبي - صلى الله عليه وسلم - وقع بصفته واحدًا من المسلمين، وغضب كما يغضب الواحد منهم، ورفض كما يرفض الواحد منهم، أن يكون لابنته ضَرّة. ويؤيد ذلك أن في إحدى روايات هذه القصة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"وإني لست أحرّم حلالًا، ولا أحِلُّ حرامًا" [1] . فهو إذن أمر شخصي بحت، لا علاقة له بالتشريع. بل كما لو استؤذن أي رجل من سائر الناس في أن يتزوج صهره على ابنته فإنه قد يرفض، وإن لم يكن ذلك ممنوعًا ولا مكروها. ثم قد يطيعه صهره ويرعى خاطره إن كان له فضل عليه. وذلك كله في حيّز المباح. ويؤيد هذا ما وقع في بعض روايات البخاري للحديث، أن فاطمة قالت له - صلى الله عليه وسلم:"إن الناس يزعمون أنك لا تغضب لبناتك"أي: كما يغضب سائر الناس. فقال - صلى الله عليه وسلم - ما قال. ويؤيده أيضًا أن في رواية مسلم، قال - صلى الله عليه وسلم:"وإن فاطمة بضعة مني يَرِيِبُني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها".
قالت هند بنت عتبة: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم. فقال - صلى الله عليه وسلم:"خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" [2] .
(1) رواه مسلم 16/ 4
(2) حديث هند رواه البخاري 9/ 507