قد ينقل صحابي فعلًا غير مفصل، كمسحه - صلى الله عليه وسلم - رأسه وأذنيه في الوضوء. لم يتعرّض الراوي لكونه مسح الأذنين بماء جديد، أو بفضل ما مسح به رأسه. ثم قد ترِد رواية أخرى للصحابي نفسه أو لغيره مفصلة، كما روى أنه - صلى الله عليه وسلم - توضأ فمسح أذنيه بماء خلاف ما مسح به رأسه [1] .
قال الغزالي:"هذا يزيل الإجمال عن الأول. ولكن يحتمل أن الواجب ماء واحد، والمستحب ماء جديد، فيكون أحد الفعلين على الأقل، والثاني على الأكمل وجعل الغزالي هذا نوعًا من أنواع البيان بالفعل، يعني بيان إجمال الفعل بالفعل" [2] .
وقد اعترض أبو شامة على ذلك قائلًا:"أورد الغزالي هذا على أنه نوع من أنواع البيان بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإنما هو عبارة الراوي. والراوي الأول أطلق ولم يبين أنه مسح أذنيه بفضل ما مسح به رأسه، أو بماء جديد. وكلاهما محتمل. فلما نقَل الراوي الثاني أنه مسحهما بماء جديد، تعيّن حمل ذاك المطلق، على هذا المقيد، فقلنا لا بدّ من ماء جديد للأذنين. أما لو صحّ أنه مسح الجميع بماء واحد، فيمكن حمله على الأقل، ويكون الأكمل رواية من أفرد الرأس عن الأذنين بماء جديد" [3] . اهـ.
قولنا في ذلك: إن الروايتين إذا أوردت إحداهما مطلقة والأخرى مقيدة فإما أن يكونا في واقعة واحدة، أو في واقعتين، أو يكون الأمر مبهمًا.
أولًا: فإن كانا في واقعة واحدة، يجب حمل المطلق حينئذ على المقيد، وهو إطلاق وتقييد في كلام الرواة. ومثاله وإن لم يكن من باب الأفعال، قصة من (أفطر) في رمضان، فأوجب النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه الكفارة، ورد في رواية أخرى، أن
(1) لم تثبت هذه الرواية، كما في نيل الأوطار 1/ 178
(2) المستصفى 2/ 52
(3) المحقق ق 38 أ.