إن الإنسان إذا أراد أن يفعل فعلًا ما، فإن ما يرد بباله من الفكر عن ذلك والإرادة له، ينشأ ضعيفًا، ثم يتقوّى حتى يحمل صاحبه على إخراج الفعل إلى حيّز الوجود. وقد يتوقف عند بعض المراحل.
وقد بيّن السبكي الكبير [1] في الحلبيّات، انقسام ذلك إلى درجات خمس. ونحن نذكرها تبعًا له ونبيّنها كما يلي:
1 -الهاجس: وهو ما يُلقى في النفس دون قصد. والهاجس لا يستمرّ، بل إنما هو كومضة الضوء. وقد قال ابن سيدة:"هَجَس الأمر في نفسي: وقع في خلدي". وفي لسان العرب ما ينبئ عن قصر وقت الهاجس، وسرعة انقضائه، وخفاء مضمونه، وذلك أنه ذكر الهَجْس في الأصوات، فقال: الهجسة: النبأة تسمعها ولا تفهمها.
2 -الخاطر: وهو أن يجري في النفس ويتردد فيها. وهو أطول من الهاجس زمنًا، وأوضح منه. وأصله من قولهم: خطر البعير بذنبه، إذا رفعه مرة بعد أخرى. وقيل: إذا حركه يمينًا وشمالًا. وخطر بالسيف إذا حرّكه كذلك [2] .
3 -حديث النفس: وهو أن يقع في النفس الرغبة في أن يفعله، والرغبة في أن لا يفعل. فهو يتردد بين الأمرين لاشتبهاهما، ويحدّث نفسه كالمستشير.
(1) انظر المسألة في (الأشباه والنظائر) للسيوطي ص 33 وذكرها البناني في حاشية جمع الجوامع 2/ 432
(2) لسان العرب.