لتبين للناس ما نزل إليهم [1] فهذا الاستعمال أخصّ من الأول. وهو الأغلب في كلام الأصوليين. وهو الذي سنجري عليه، ونخص ما خرج عنه، من الاستعمال الأول، باصطلاح (البيان الابتدائي) .
ليس كل كلام بحاجة إلى بيان. بل إن أريد بالكلام ظاهره وحقيقته كان بيّنًا لمن يعلم وضع القول. وذلك كقوله تعالى: {وأقيموا الصلاة * وآتوا الزكاة} هو بيّن في إيجاب هاتين العبادتين. وقوله: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبيّنات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه} [2] بين في إيجاب أصل الصوم، وأن الوقت شهر رمضان. وكذا آية تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، هي بيّنة في تحريم ما ذكر فيها [3] .
فإن أراد المتكلم بالكلام غير ظاهره فلا بدّ من البيان. وكذا إن أراد غير حقيقته فهو يحتاج إلى القرينة المبيّنة للمراد.
فمن الأول: العام إذا أريد به الخصوص. نحو {اقتلوا المشركين} [4] . أريد به ما عدا النساء والصبيان والرهبان ونحوهم، فهو محتاج إلى البيان.
ومن الثاني: نحو قوله تعالى: {حتى يتبيّن لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود} [5] بُيِّن بقوله: {من الفجر} .
(1) سورة النحل: آية 44
(2) سورة البقرة: آية 185
(3) قال الشافعي رضي الله عنه: البيان في الفرائض المنصوصة في كتاب اللُه تعالى من أحد هذه الوجوه.
منها: ما أتى الكتاب على غاية البيان فيه فلم يحتج فيه مع التنزيل إلى غيره.
ومنها: ما أتى (الكتب) على غاية البيان في فرضه، وافترض طاعة الرسول، فبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الله كيف فرضه. وعلى من فرضه ومتى يزول بعضه ويثبت بعضه.
ومنها: ما بينه عن سنة نبيه بلا نص كتاب (الرسالة: تحقيق أحمد محمد شاكر ص 32) .
(4) سورة التوبة: آية 5
(5) سورة البقرة: آية 187