صورة المثل الأعلى للعابد، وهكذا الداعية، ورجل السياسة، ورجل الحرب، والأب، والزوج، والقريب، والصاحب والصديق، حتى العدوّ يستطيع أن يتعلم منه كيف ينبغي أن يعامل عدوّه.
و"كل هذه الصور كانت مجتمعة في محمد - صلى الله عليه وسلم - على توافق وانسجام" [1] وتعادل، لا يطغى بعضها على بعض كما قد تطغى بعض الصفات في الأبطال على سائر الصفات.
يقول جولد تسيهر:"لو أن الإسلام قد تمسّك بشهادة التاريخ الحق تمسكًا دقيقًا لوجد أنه لا يستطيع أن يُمدَّ المؤمنين به بفكرة مثاليّة للحياة الأخلاقية، وهي فكرة اتخاذ الرسول - صلى الله عليه وسلم - مثلًا أعلى واحتذائه. لكن المؤمنين لم يتركوا أنفسهم يتأثرون بصورة محمد - صلى الله عليه وسلم - كما رسمها التاريخ الصادق، بل حلّ محلها من أول الأمر، الصورة المثاليّة للنبي في رأيهم".
ثم يقول:"إن علم الكلام في الإسلام، حقق هذا المطلب، بما رسم للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - من صورة تمثله بطلًا ونموذجًا لأعلى الفضائل، لا مجرد أداة للوحي الإلهي ونشره بين غير المؤمنين. على أنه يبدو أن هذا لم يرده محمد - صلى الله عليه وسلم - نفسه، فقد قال إن الله أرسله {شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا * وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا} أي إنه مرشد، لا نموذج ومثل أعلى، أو -على الأقل- إنه ليس كذلك {أسوة حسنة} إلاّ بفضل رجائه وذكره الله كثيرًا (سورة الأحزاب: آية 21) ولقد كان على ما يبدو مدركًا بإخلاص ضعفه الإنساني، ومن ثَمَّ كان عمله أكثر من شخصه". اهـ [2] .
هذا المعنى الذي ألح عليه المستشرق اليهودي، أشار إليه الآخر: يوسف شاخت، في مادة (أصول الفقه) في (دائرة المعارف الإسلامية) حيث ذكر أن
(1) محمد قطب: منهج التربية الإسلامية ص 223
(2) جولد تسيهر: العقيدة والشريعة في الإسلام - ترجمة محمد يوسف موسى وزميليه ط ثانية. القاهرة، دار الكتب الحديثة (د. ت) ص 35