فهرس الكتاب

الصفحة 160 من 761

سادسًا: السهو والنسيان:

أما فيما لا يتعلق بالبلاغ وبالتكليف، كأنْ ينسى ما سمعه من القصص والأخبار وكلام الناس، فلا إشكال في جواز ذلك.

وفي القرآن إشارات إلى أن الله تعالى قد يُنسي نبيه - صلى الله عليه وسلم - شيئًا مما أوحاه إليه من القرآن مما يريد تعالى أن ينسخه، كقوله تعالى: {سنقرئك فلا تنسى إلّا ما شاء الله} [1] ، وقوله: {ما ننسخْ من آية أو نُنْسِها نأت بخير منها أو مثلها} [2] .

وأما سائر ما يوحى إليه - صلى الله عليه وسلم - من القرآن، والأقوال التي يأمره بتبليغها، فهو معصوم من النسيان فيها بالإجماع. فإن قوله تعالى: {سنقرئك فلا تنسى} يدل على أن الله تعالى يعصمه من نسيانه، وكذلك قوله تعالى: {لا تحرك به لسانك لتعجل به * إن علينا جمعه وقرآنه} [3] وجمعه، كما قال المفسرون، جمعه في صدره - صلى الله عليه وسلم - حتى لا يفقد منه شيء.

ولكن ورد في بعض الأحاديث أنه - صلى الله عليه وسلم - نسي بعض الآيات. ففي سنن أبي داود عن ابن عمر: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلّى صلاة، فقرأ فيها، فلبِّس عليه. فلما انصرف قال لأبي بن كعب:"أصليت معنا؟"قال: نعم. قال:"فما منعك"قال الخطابي: إسناده جيد.

وروى أبو داود أيضًا عن مسور بن يزيد المالكي، قال: شهدت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الصلاة، فترك آية من القرآن، فقيل: يا رسول الله: آية كذا وكذا تركتها. قال:"فهلا ذكرتنيها".

فإن صحّ الحديث بذلك، فالذي ينبغي أن، يقال: إنه إذا أبلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه ما أوحي إليه به، وخاصة إذا كتب في المصحف، فقد حصل البلاغ وتأدَّت الأمانة، فلا يمتنع أن ينسى - صلى الله عليه وسلم - شيئًا منه. قال ذلك ابن عطية [4] .

(1) سورة الأعلى: آية 6

(2) سورة البقرة: آية 106

(3) سورة القيامة: آية 16

(4) الزركشي: البحر المحيط 2/ 246 ب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت