ولم نجد أحدًا من قدماء الأصوليين، صرّح بمثل هذا المذهب.
ولكنه لازم لمن جعل جميع أفعاله - صلى الله عليه وسلم - حجة حتى في الطبيات والزراعة ونحوها. وهو لازم أيضًا لمن صحح منهم أن تقريره - صلى الله عليه وسلم - لمخبر عن أمر دنيويّ يدل على صحة ذلك الخبر، كما فعل السبكي وأيّده المحلي والبناني [1] .
والذين عند حصرهم أقسام الأفعال النبوية، لم يذكروا الفعل النبوي في الأمور الدنيوية، كقسم من أفعاله لا دلالة فيه، يظهر أنهم يقولون بهذا القول، إذ يلزمهم أن يكون فعله - صلى الله عليه وسلم - في الطب مثلًا دليلًا شرعيًا. من هؤلاء مثلًا أبو شامة، والسبكي، وابن الهمام، وغيرهم.
وابن القيم في كتابه (الطب النبويّ) [2] يذهب إلى حُجيّة أفعاله - صلى الله عليه وسلم - في الطب، فيلزمه القول بهذا المذهب.
ويظهر أن هذه طريقة المحدّثين، فإنا نجد عند البخاريّ مثلًا هذه الأبواب، ولم يذكر فيها من الأحاديث إلا أحاديث فعليّة: (باب السعوط) (باب أي ساعة يحتجم) (باب الحجامة في السفر) (باب الحجامة على الرأس) (باب الحجامة من الشقيقة والصداع) [3] وعند غيره من المحدثين، كأصحاب السنن، تبويبات مشابهة. ويوافقهم الشراح غالبًا على ذلك، فيذكرون استحباب أدوية معيّنة لأمراض معيّنة، بناء على ما ورد في ذلك من الأفعال النبويّة.
المذهب الثاني: أنه لا يلزم أن يكون اعتقاده في أمور الدنيا مطابقًا للواقع، بل قد يقع الخطأ في ذلك الاعتقاد قليلًا أو كثيرًا. بل قد يصيب غيره حيث يخطئ هو - صلى الله عليه وسلم -.
قالوا: وليس في ذلك حطٌّ من منصبه العظيم الذي أكرمه الله به، لأن منصب النبوّة منصبٌّ على العلم بالأمور الدينية، من الاعتقاد في الله وملائكته
(1) انظر جمع الجوامع شرحه وحاشيته 2/ 127، 128 وأيضًا 2/ 95
(2) هو بعض كتابه المشهور (زاد المعاد في هدي خير العباد) وقد طبع أيضًا مفردًا.
(3) صحيح البخاري 10/ 145 - 152