ووجه اعتبارها من الأخرس أنه غير قادر على النطق، فهو يعبّر عن مراده بالإشارة لأنها الأمر المتيسّر له، وقد جرت العادة أنه بها يقضي مآربه ويعبّر عن نفسه، فهي (لغته) التي بها يبلغ ما يريد.
الثانية: المعتقل لسانه، واسطة بين الناطق والأخرس، قال السيوطي:"فلو أوصى في هذه الحالة بإشارة مفهمة، أو قرئ كتاب في الوصية، فأشار بيده: إن نعم، صحّت". اهـ. فأجرى عليه حكم الأخرس. وهذا منه ملاحظة للعلة التي ذكرناها آنفًا. وذكر ابن حجر في الفتح في المعتقل لسانه ثلاثة أقوال، الاعتبار، وعدمه، وثالثها عن أبي حنيفة: إن كان مأيوسًا من نطقه. وعن بعض الحنابلة إن اتصل بالموت، ورجّحه الطحاوي.
الثالثة: القادر على الإبانة بالقول. قال السيوطي:"وإشارته لغوٌ إلاّ في صور معيّنة، منها الإفتاء، ومنها الأمان للكافر بالإشارة، تعتبر أمانًا حقنًا للدم. ومنها ردّ السلام بالإشارة من المصلّي". وهذا في الحقيقة راجع إلى ما تقدم قبل هذه الحالة لأن الصلاة تمنع النطق، شرعًا.
وقال ابن عابدين من الحنفية ما حاصله [1] : إن الإشارة من الناطق باطلة إلاّ في تسعة مواضع عدها وذكر منها الإفتاء، والإسلام، والكفر، والنَّسَب، والأمان، وإشارة المحرم لصيد.
وقال ابن حجر:"في حقوق الله تكفي الإشارة من القادر على النطق. وأما في حقوق الآدميين فلا تقوم إشارته مقام نطقه عند الأكثرين".
وقال محمد سلام مدكور:"الفقه المالكي يعتبر الإشارة أداةً للتعاقد حتى بالنسبة لغير الأخرس، ما دامت مفهومة بين الناس، ومتعارفًا بينهم على مدلولها" [2] .
(1) حاشية ابن عابدين ط 1272 هـ 2/ 454
(2) المدخل للفقه الإسلامي 1/ 538