وكان عبد الوهاب القرطبي (ت 461 هـ) أكثر تدقيقا وهو يحاول توضيح حقيقة إخفاء النون، فقال: «وأما الإخفاء فحكم يجب عند اجتماع حرفين أخذا حالا متوسطة ... وحقيقته السّترة، لأن المخرج يستتر بالاتصال. فالتشديد إذن إدخال حرف في حرف، والإظهار هو قطع حرف من حرف، والإخفاء هو اتصال حرف بحرف، فبالتشديد يدخل الحرف ويغيب، وبالقطع يظهر ويبين، وبالاتصال يخفى ويستتر، ولهذه العلة لم يكن الإخفاء إلا في حرفي الغنة النون والميم، لأن الاتصال لا يتأتى إلا فيهما، لأن الصوت إذا جرى في الخيشوم أمكن اتصال حرفين من غير إظهار ولا تشديد، ولذلك ينبغي أن يكون النطق بالمخفى بين التخفيف والتشديد، كما أنه بين الإظهار والإدغام» «1» .
وقال القرطبي وهو يورد أمثلة الإخفاء: «ومعنى خفائها ما قدمناه من اتصال النون بمخارج هذه الحروف واستتارها بها وزوالها عن طرف اللسان، وخروج الصوت من الأنف من غير معالجة بالفم ... » «2» .
إن اتصال مخرج النون بمخرج الصوت الذي تخفى فيه واستتارها به يعني انتقال معتمد النون في الفم من طرف اللسان واللثة إلى مخرج الصوت الذي يليها، مع بقاء مجرى النفس من الخيشوم الذي يعبّر عنه علماء التجويد بكلمة (الغنة) .
إن عبارة علماء التجويد المتأخرين عن الإخفاء غلب عليها التركيز والاختصار، فقال الشيخ زكريا الأنصاري (ت 926 هـ) مثلا، وهو يشرح كلام ابن الجزري عن الإخفاء في
مقدمته: «والإخفاء لغة الستر واصطلاحا النطق بحرف بصفة بين الإظهار والإدغام، عار عن التشديد، مع بقاء الغنة في الحرف الأول، ويفارق
(1) الموضح 157.
(2) الموضح 170.