حتّى نهاني الشّيب لمّا بدا ... في مفرقي عن تلكم المعصيه
فلم أرق مذ شاب فودي دما ... من عاتق يوما ولا مصبيه
وها أنذا الآن على ما يرى ... منّي ومن حرفتي المكديه
أربّ بكرا طال تعنيسها ... وحجبها حتّى عن الأهويه
وهي على التّعنيس مخطوبة ... كخطبة الغانية المغنيه
وليس يكفيني لتجهيزها ... على الرّضا بالدّون إلا ميه
واليد لا توكى على درهم ... والأرض قفر والسّماء مصحيه
فهل معين لي على نقلها ... مصحوبة بالقينة الملهيه
فيغسل، الهمّ بصابونه ... والقلب من أفكاره المضنيه
ويقتني منّي الثناء الّذي ... تضوع رّياه مع الأدعيه
قوله: فودي، أي ناحية رأسي. مصبية: لها صبوة. أو يصبو إليها من رآها، وجعل الخمر مصبية، لأنها تغلب شرّابها فتصيرّهم سكارى، عقولهم عقول الصبيان، فهي تلعب بهم كما تلعب الأمّ بصبيانها، حر فتى: صنعتي المكدية: الصعبة، وأكدى الحافر: بلغ كدية، فرفع عن الحفر آيسا من الماء ثم استعير لغير ذلك أربّ أصلح، تعنيسها: إقامتها بغير زوج.
قال عمر رضي الله تعالى عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مكتوب في التوراة: من بلغت ابنته اثنتي عشرة سنة، فلم يزوجها فأصابت إثما فإثم ذلك عليه» [1] .
وقال عليه الصلاة والسلام: «من بلغ له ولد النكاح وعنده ما ينكحه به فلم ينكحه، فأصاب إثما فالإثم بينهما» [2] ، ويعني بها خمرا قديمة حجبها عن الأهوية، لئلا يفسّدها الهواء.
قوله: مخطوبة: مطلوبة. الغانية: البارعة الجمال التي غنيت بحسنها عن الزينة، قال الرّستمي: أصلها في ذات الزوج التّي استغنت بزوجها، ثم قيل في غير ذات الزوج.
قال عمارة: هي الشابّة التي تعجب الرجال ويعجبونها، المغنية: التي نشأت في الغنى، وأغنى بمعنى استغنى، والمغنية أيضا: التي تغني زوجها عن غيرها لكمال خصالها.
توكأ: تشدّ وتربط، والوكاء: الخيط يشدّ به فم الوعاء.
ورواد عبد في الجاهلية ابنة سيّده عن نفسها، فأمكنته حتى بلغ أربه منها، ثم
(1) أخرجه الدارمي في المقدمة باب 20.
(2) أخرجه بنحوه البخاري في النكاح باب 9.