ومما ورد على جهة الإشارة في البعد، قوله تعالى: {قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ} [يوسف: 32] .
{قَالَتْ فَذَلِكُنَّ} ولم تقل: هذا يوسف، ولا قالت: فذاك، على جهة القرب والتوسط، وإنما أشارت إليه بما يقتضى البعد، رفعا لمنزلته في الحسن، كما قال تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ} [البقرة:2] ، إشارة بذلك
إلى بعد منزلة هذا الكتاب -القرآن الكريم- بالنسبة إلى كتب الله تعالى السابقة.
قال الزمخشري:" {قَالَتْ فَذَلِكُنَّ} ، ولم تقل فهذا وهو حاضر، رفعًا لمنزلته في الحسن، واستحقاق أن يحب ويفتتن به، واستبعادًا لمحله، ويجوز أن يكون إشارة إلى المعنىّ بقولهنّ:"عشقت عبدها الكنعانى"، فقالت لهن: هو ذلك العبد الكنعانى الذي صوّرتن في أنفسكنّ، ثم لمتنني فيه، تعنى: أنكن لم تصوّرنه بحق صورته، ولو صوّرتنه بما عاينتن لعذرتننى في الافتنان به" [1] .
(1) الزمخشري: الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، الناشر: دار الكتاب العربي - بيروت، الطبعة: الثالثة - 1407 هـ (2/ 467) .