ويتجلى هذا اللون من البلاغة في قوله تعالى: {وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ} [يوسف: 50] ، وهذا من حسن البراعة في الطلب، فعلى الرغم من أن الشيء المراد السؤال عنه واحد إلا أن الصيغ تختلف، وإن تشابهت الصيغ فإن لكل صيغة دلالة معينة.
قال أبو السعود:"فيوسف - عليه السلام - عندما قال: {ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ} تحرى أن يوقع في نفس الملك الاهتمام بطلبه، فلم يسأله أن يستقصي ويفتش عن ذلك الأمر، بل سأله ما بال النسوة؛ حثًا منه للملك على الجد في التفتيش؛ ليتبين براءته وتتضح نزاهته؛ إذ السؤال مما يهيج الإنسان على الاهتمام في البحث للتقصي عما توجه إليه، وأما الطلب فمما قد يتسامح ويتساهل فيه ولا يبالي به" [1] .
ويتضح ذلك بجلاء في قوله تعالى: {وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ} [يوسف: 59] .
نلاحظ اختلاف الصيغ والفائدة التي جاءت بها كل صيغة من الصيغ، ففي قوله تعالى: {أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ} ، قال أبو السعود:"أي أتمه لكم، قد"
(1) ينظر: أبو السعود: إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم (4/ 284) .