لا يوجد ابتلاء أشد على الحر من ذل النفس، وتقييد حريته بالاستعباد والقهر، فها هو الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن خليل الرحمن سليل الأنبياء، يباع ويشترى كسائر العبيد بعد الشرف والرفعة والسيادة، ولله در القائل:
فَلا تَرضَ بِمَنقَصَةٍ وَذُلٍّ ... وَتَقنَع بِالقَليلِ مِنَ الحُطامِ
فَعَيشُكَ تَحتَ ظِلِّ العِزِّ يَومًا ... وَلا تَحتَ المَذَلَّةِ أَلفَ عامِ [1]
ولكنها إرادة الله - عز وجل -، ولن يكون إلا ما أراده - سبحانه وتعالى - ودبره، فالله - عز وجل - يبتلي رسله وأنبياءه ليعدهم للمهام العظيمة التي تنتظرهم، والتي لا يمكن أن يصبر عليها إلا الأشداء من الرجال، الذين عركتهم الشدائد فصمدوا لها، وابتلوا بالمصائب فصبروا عليها، ومع كل هذا كان - عليه السلام - متسلحًا بالصبر؛ لأنه معين لا ينضب، وزاد لا ينفد، وكيف يجزع أو ييأس من كان الله معه!، قال تعالى: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل: 127 - 128] .
قال ابن الجوزي [2] :"ولما ذهبت به القافلة إِلى مصر، أوقفوه في سوقها يعرضونه للبيع، فتزايد الناس في ثمنه حتى بلغ ثمنه وزنَه مسكًا، ووزنه ورِقًا، ووزنه حريرًا،"
(1) من (البحر الوافر) ، والأبيات لعنترة بن شداد العبسي (المتوفى:22 ق. هـ) ، ينظر: ديوان عنترة للخطيب التبريزي، تحقيق: مجيد طراد، الناشر: دار الكتاب العربي - بيروت، الطبعة الأولى، 1412 هـ (1/ 189) .
(2) ابن الجوزي: الإمام العلامة الحافظ عالم العراق، وواعظ الآفاق، جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن عبد الله القرشي، البكري الصديقي البغدادي الحنبلي الواعظ، صاحب التصانيف السائرة في فنون العلم، ولد سنة: 510 هـ، وسمع من: ابن الحصين، وأبي غالب بن النباء، وخلق عدتهم سبعة وثمانون نفسًا، من تصانيفه: زاد المسير في التفسير، وجامع المسانيد، والمغني في علوم القرآن، وتذكرة الأريب في اللغة، والوجوه والنظائر، ومشكل الصحاح والموضوعات والواهيات والضعفاء، وتلقيح فهوم الأثر، وما علمت أحدًا من العلماء صنف ما صنف، تاب على يديه مائة ألف، وأسلم على يديه عشرون ألفًا، مات سنة: 597 هـ. ينظر: السيوطي: عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (المتوفى: 911 هـ) ، طبقات الحفاظ، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الأولى، 1403 هـ (1/ 480) ، واليافعي: مرآة الجنان (3/ 370) ، والذهبي: سير أعلام النبلاء (15/ 455) .