فهرس الكتاب

الصفحة 195 من 399

الراقي، فلما رأينه أعظمنه، وجعلن يقطعن أيديهن، ثم أمرته أن يرجع ليرينه مقبلًا ومدبرًا، فرجع وهن يحززن في أيديهن، وما أحسسن بالألم الشديد لفرط ما غلب عليهن من استحسان يوسف - عليه السلام -، وسلبه عقولهن، فلما أحسسن بالألم جعلن يولولن، فقالت: أنتن من نظرة واحدة فعلتن هذا، فكيف ألام أنا" [1] ."

فقلن معاذ الله أن يكون هذا بشرًا، ما هذا إلا ملك من الملائكة، كريم على الله.

لقد نجحت امرأة العزيز في الكيد لهن، وذلك حينما انبهرن بجماله الفتّان: فقالت حينئذ: فذلكن الذي وجهتن اللوم إليّ بسببه، وعبتن علي فعله، ثم توعدت يوسف - عليه السلام - بالعقاب قائلة: أنا راودته عن نفسه، فامتنع، ولئن لم يفعل ما آمره به في المستقبل القريب، ليزجنّ به في السجن، وليكونن من الأذلاء المقهورين، وهذا نوع شديد من الإكراه على الفعل، إذ هو تهديد من يغلب على الظن وقوع ما هدد به، فيجتمع داعي الشهوة وداعي السلامة من ضيق السجن والصغار.

لقد استعانت عليه بأئمة المكر والاحتيال، فأرته إياهن، وشكت حالها إليهن لتستعين بهن عليه، فما كان منهن إلا أن اشتركن في مراودته، وأصبح فريسة لكيدهن كلهن، فلما رأى ذلك منهن قال: {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [يوسف: 33] .

(1) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم (4/ 330) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت