وهو لا يُجيد التعبير، فكأنما أفتى بغير علم؛ والفتوى بابها هو العلم، وليس الظن، والرائي يحتاج إلى لبيبٍ فطنٍ عارفٍ بأصولِ الرؤيا، ليأتي بالتعبير على وجهه المعتبَر، وتسميتها تأويلًا؛ لأنه يؤول أمرها إليه، أى يرجع إلى ما يذكره المعبر من حقيقتها.
قال القرطبي:"قيل لمالك [1] : أَيَعْبُرُ الرؤيا كل أحد؟ فقال: أبالنبوة يلعب؟ وقال مالك: لا يعبر الرؤيا إلا من يحسنها، فإن رأى خيرًا أخبر به، وإن رأى مكروها فليقل خيرًا أو ليصمت، قيل: فهل يعبرها على الخير وهي عنده على المكروه، لقول من قال إنها على ما تَأَوَّلَتْ عليه؟ فقال: لا! ثم قال: الرؤيا جزء من النبوة فلا يتلاعب بالنبوة" [2] .
فتأويل الرؤى ليس من العلم العام الذي يحسن نشره بين المسلمين؛ ليصححوا اعتقاداتهم وأعمالهم، بل هي كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - مبشرات، فعن عطاء بن يسار [3] ، أن
(1) الإمام مالك: أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي المدني، إمام دار الهجرة، وأحد الأئمة الأعلام، أخذ القراءة عن: نافع بن أبي نعيم، وسمع من: الزهري، ونافعا مولى ابن عمر، رضي الله عنهما، وروى عنه: الأوزاعي، ويحيى بن سعيد، وأخذ العلم عن: ربيعة الرأي، ومن مصنفاته: الموطأ، ورسالة في الوعظ، وكتاب في المسائل، ورسالة في الرد على القدرية، وكتاب في النجوم، وتفسير غريب القرآن، وغير ذلك، ولد سنة: 95 هـ، ومات سنة: 179 هـ. ينظر: ابن سعد: الطبقات الكبرى (5/ 465) ، وابن خلكان: وفيات الأعيان (4/ 135) .
(2) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن (9/ 126) .
(3) عطاء بن يسار: أبو محمد المدني الفقيه، مولى ميمونة أم المؤمنين، وهو أخو سليمان، وعبد الله، وعبد الملك، وكان قاصا واعظا ثقة جليل القدر، أرسل عن أبي ابن كعب وغيره، وحدث عن: أبي أيوب، وزيد بن ثابت، وأسامة بن زيد ومعاوية بن الحكم، وعائشة، وأبي هريرة - رضي الله عنهم -، وطائفة، وحدث عنه: زيد بن أسلم، وصفوان بن سليم، وعمرو بن دينار، وهلال بن أبي ميمونة، وشريك بن أبي نمر، وغيرهم، وكان ثقة كثير الحديث، ملازمًا لمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، مات سنة: 103 هـ. ينظر: ابن سعد: الطبقات الكبرى (5/ 131) ، وابن قتيبة: المعارف (1/ 459) ، والذهبي: تاريخ الإسلام (7/ 171) ، وابن الأثير: أسد الغابة (6/ 381) .