ـ ولم يزل هذا الأمر منذ رسول الله - ثم صحابته الكرام رضوان الله عليهم أجمعين من بعده، حتى سلّمه الصحابة إلى التابعين وتابعى التابعين، فقد ذكرت كتب السير عن عبد الله بن وداعة قال: كنت أجالس سعيد بن المسيب فتفقدنى أيامًا [1] ، فلما أتيته قال: أين كنت؟ قلتُ: توفيت زوجتى فاشتغلت بها، قال: هلا أخبرتنا فشهدناها؟ قال: ثم أردت أن أقوم، فقال: هل استحدثت امرأة؟ فقلت: يرحمك الله تعالى، ومن يزوجنى وما أملك إلا درهمين أو ثلاثًا، فقال: أنا [2] ، فقلت: وتفعل؟! قال: نعم، فحمد الله تعالى وصلى على النبى - وزوجنى على درهمين ـ أو قال: ثلاثة ـ قال: فقمت وما أدرى ما أصنع من الفرح، فعدت إلى منزلى وجعلت أفكر ممن آخذ، ممن أستدين، فصليت المغرب وانصرفت إلى منزلى، فأسرجت، وكنتُ صائما، فقدمت عشائى لأفطر، وكان خبزًا وزيتًا، وإذا بالباب يقرع، فقلت: من هذا؟، قال: سعيد، قال: ففكرت في كل إنسان اسمه سعيد، إلا سعيد بن المسيب، وذلك أنه لم يمر أربعين سنة إلا بين داره والمسجد، فخرجت إليه، فإذا به سعيد بن المسيب، فظننت أنه بدا له ـ أى رجع عن رأيه ـ فقلت: يا أبا محمد: لو أرسلت إلى! لأتيتك، فقال: لا، أنت أحق أن تؤتى، فقلت: ماذا تأمر؟ فقال، إنك رجلًا عزبًا فتزوجتَ، فكرهت أن تبيت الليلة وحدك، وهذه امرأتك، وإذا هى قائمة خلفه في طوله، فدفعها في الباب ورده.
قال: ثم دخلت بها، فإذا هى من أجمل النساء وأحفظ الناس لكتاب الله تعالى وأعلمهم لسنة رسول الله -، وأعرفهم بحق الزوج.
(1) أى فقدنى في مجلسه، وكان هذا من الآداب التى يتحلى بها أهل العلم، وهو تفقدهم أهل مجالستهم ومعرفة حالهم.
(2) وكان لسعيد بن المسيب بنت قد خطبها الخليفة عبد الملك بن مروان لابنه الوليد فرفضه سعيد بن المسيب.