فإن الطبيب إذا حصل منه تلف فلا يخلو:- فأما الطبيب الحاذق الذي أعطى الصنعة حقها ولم تجن يده بإفراطٍ ولا تفريط, فقوله من فعله المأذون فيه من جهة الشارع ومن جهة من يطبه تلف العضو أو النفس أو ذهاب صفة فهذا لا ضمان فيه باتفاق أهل العلم. وذلك لأن هذه السراية إنما حصلت بفعلٍ مأذونٍ فيه, وقد تقرر في القواعد أن سراية الواجب مهدرة بالاتفاق, وذلك كما أنه إذا ختن الصبي في وقت وسنه قابل للختان وأعطى الصنعة حقها فتلف العضو أو الصبي لم يضمن, وكذلك إذا بط من عاقل أو غيره ما ينبغي بطه في وقته على الوجه الذي ينبغي فتلف به, لم يضمن, وهكذا كل سراية تولدت من مأذون فيه فإنه لا ضمان فيه مالم يحصل تعدٍ أو تفريط, كسراية الحد بالاتفاق, وكسراية القصاص عند الجمهور خلافًا للحنفية وكسراية التعزير وكسراية ضرب الرجل لامرأته, أو المعلم للصبي, والمستأجر للدابة خلافًا للحنفية والشافعية وكالسراية التي تحصل من الطبيب أثناء إجراء العملية الجراحية المأذون فيها ونحو ذلك كل ذلك لا ضمان فيه, لكن بالشروط المذكورة, وهي أن يكون الطبيب حاذقًا لصنعته وأن لا يحصل منه تعدٍ ولا تفريط, ولا يسع الناس إلا هذا فإننا لو لم نقل به لتعطلت منافع الطب إذ كل طبيب سيتحفظ من إجراء أي عملٍ طبي خوفًا من الضمان وقد يتولى أمور الطب من ليس لها بكفءٍ لخوف الكفء من مزاولة الطب من خوفًا من التبعات بسبب حدوث التلف, ويمثل له أيضًا بمن يزاول الكي وهو ماهر به وحصل منه تلف فإنه لا يضمن, لأنه محسن وما على المحسنين من سبيل, لكن بالشرطين المذكورين, أن يكون حاذقًا في العلاج بالكي وأن لا يكون حصل منه إفراط أو تفريط فهذا بالنسبة للتلف الحاصل من الطبيب الحاذق, الماهر بالصنعة.