إذًا فالثلثان من الضعفاء - وإن تفاوت ضعفهم - وأشد جرح أطلقه عليهم قوله عن بعضهم:"متروك"، وعدد هؤلاء أربعة فقط من أربعين أطلق عليهم اسم الضعف.
أما الثلث، فهم ممن يشمله اسم الصدق، وإن وصف أكثرهم بما يؤثِّر في العدالة أو الضبط، والذين يمكن قبول حديثهم - من غير اشتراط المتابعة، أو موافقة الثقات، أو عدم التفرد - خمسة فقط، وهم من قال فيهم الحافظ: صدوق، أو لا بأس به.
أما الذين قال فيهم البخاري:"فيه نظر"، وليسوا ممن ذُكر في التقريب، فعددهم ثلاثة وثلاثون راويًا، ولمعرفة درجتهم اجتهدت في تلخيص حال كل منهم بحسب ما بلغني من أقوال العلماء فيهم، وبحسب ما رأيته من حديثهم، وكانت النتيجة شمول الضعف لهم جميعًا، وإن اختلفت عبارتي في حال كل منهم، فمنهم الضعيف، والضعيف جدًّا، ومنهم المجهول والمتروك، والحكم بضعفهم ليس تشددًا مني، بل هو واقع حالهم، فإذا علمت أن خمسة عشر منهم لم يوثقهم أحدٌ ألبتة، وثمانية ذكرهم ابن حبان في ثقاته فقط مع تضعيف الأئمة لهم، زال ما يُتوهم من احتمال التشدد في التوثيق.
أما الألفاظ الملحقة بقوله: فيه نظر، وهي قوله: فيه نظر في حديثه، فيه بعض النظر، فيه نظر ولا يتابع عليه، فيه نظر لم يصح حديثه، أو لا يصح حديثه، ليس بالقوي وفيه نظر ولا يصح حديثه، فيه نظر؛ لأنه لم يذكر سماع بعضهم من بعض، عنده مناكير وفيه نظر، ليس بالقوي وفيه نظر ولا يصح حديثه، وقد بلغت التراجم فيها تسعًا، والضعف بيِّن على أصحابها، وأحسنهم حالًا من قال فيه ابن حجر: صدوق كثير الخطأ.
مما تقدم من التراجم - الموجزة هنا وهي مفصلة في البحث - تبين الضعف في أكثرها، وأحسنهم سلمة الأبرش، الذي قال فيه الحافظ: صدوق كثير الخطأ، وعبدالله بن محمد الأنصاري: مقبول، والبقية بين ضعيف ومجهول، وهم في عموم الأحوال لا يبعدون عن الذين قال عنهم: فيه نظر، وإن كان قوله:"فيه بعض النظر"يشعر بخفة ضعفهم، فأحدهم - وهو بكير بن مسمار - مختلف فيه، والثاني عبيد بن عبدالرحمن: مجهول، والثالث أحمد بن الحارث الغساني: شديد الضعف، أما سلمة فرغم قوله المتقدم فيه: عنده مناكير وفيه نظر، وله قول آخر فيه هو: ووهَّنه علي، إلا أنه خالف فيه جماعة وثقوه.
وقبل أن ننتهي إلى النتيجة النهائية، أحب أن أذكِّر بكلام أهل العلم الذين جعلوا عبارة البخاري تلك في مرتبة الجرح الشديد.
ثم ذكر أقوال الذهبي وابن كثير والعراقي والسخاوي.