كلام الحفاظ المتأخرين عن اصطلاح البخاري:
استعمل الجمهور هذه العبارة في تضعيف الرواة والأحاديث والأحكام ونحو ذلك، وكذلك اصطلاح الإمام البخاري فيها، فقد قال الحافظ المزي في (تهذيب الكمال) (18/ 265) في آخر ترجمة عبدالكريم بن أبي المخارق:"قال الحافظ أبو محمد عبدالله بن أحمد بن سعيد بن يربوع الإشبيلي: بيّن مسلم جَرْحَهُ في صدْرِ كتابه، وأما البخاري، فلم يُنبّه من أمره على شيء، فدل أنه عنده على الاحتمال؛ لأنه قد قال في"التاريخ": (كل من لم أبين فيه جرحة، فهو على الاحتمال، وإذا قلت: فيه نظر، فلا يحتمل) ".
ولقد ادعى جماعة من العلماء المتأخرين - رحمهم الله - أن البخاري - رحمه الله - لا يُطلق عبارة (فيه نظر) إلا فيمن كان متهمًا عنده، وفيمن اشتد ضعفه، فنزل إلى مرتبة المتروكين والساقطين، بل منهم من نسب إلى البخاري نفسِه تفسير اصطلاحه هذا بنحو هذا المعنى، ولكن التحقيق العلمي كشف وهاء هذه الدعاوى، وبيَّن عدم صحتها، وإليك البيان والتدليل:
1 -نقل الحافظ الذهبي عن البخاري أنَّه قال:"إذا قلت: فلان في حديثه نظر، فهو متهم واهٍ".
فقد قال الذهبي في (السير) (12/ 440 - 441) :"وقال بكر بن منير: سمعت أبا عبدالله البخاري يقول: أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت أحدًا".
قلت: صدق رحمه الله، ومن نظر في كلامه في الجرح والتعديل، علم ورعه في الكلام في الناس، وإنصافه فيمن يضعفه، فإنه أكثر ما يقول: منكر الحديث، سكتوا عنه، فيه نظر، ونحو هذا، وقلَّ أن يقول: فلان كذاب، أو كان يضع الحديث، حتى إنه قال:"إذا قلت: فلان في حديثه نظر، فهو متهم واهٍ"؛ وهذا معنى قوله:"لا يحاسبني الله أني اغتبت أحدًا"، وهذا هو والله غاية الورع"."
2 -قال الذهبي في (الميزان) (2/ 416) :"وقد قال البخاري:"فيه نظر"، ولا يقول هذا إلا فيمن يتهمه غالبًا".
3 -قال الذهبي في (الميزان) أيضًا (3/ 51 - 52) في ترجمة عثمان بن فائد:"قال البخاري:"في حديثه نظر"، وقلَّ أن يكون عند البخاري رجلٌ فيه نظر إلا وهو متهم".
4 -قال الحافظ العراقي في أوس بن عبدالله بن بريدة:"ضعيف جدًّا؛ قال البخاري: فيه نظر، وهذه العبارة يقولها البخاري فيمن هو متروك"؛ نقله ابن حجر في (القول المسدد) (ص 10) .