وسيأتي بيان دلالتها، وعلاقتها بالمعنى الاصطلاحي.
الثاني: أن الأصل في اللفظ الاصطلاحي بين العلماء أن يكون له دلالة متحدة بينهم، إلا إذا جاء الدليل الصحيح الصارف له عن ذلك.
الثالث: أن الترمذي قد فَهِم كلام البخاري بما لا يبتعد به عن دلالته اللغوية، وبما يوافق المعنى الاصطلاحي العام له.
وإذا فهم الترمذي كلام البخاري بما تأيد بما سبق، والترمذي هو الإمام في الحديث والجرح والتعديل، فهو بذلك أعرف الناس (مع أقرانه) بمعاني ألفاظ الجرح والتعديل، فكيف إذا كان الأمر متعلقًا بعبارة جرح أو تعديل لأحد شيوخ الترمذي؟! وكيف إذا كان هذا الشيخ ممن لازمهم الترمذي، وأكثر من الاستفادة منهم؟! وكيف إذا كان هذا الشيخ هو البخاري الذي كان الترمذي لا يكاد يصدر إلا عن رأيه واجتهاده، ولا يكاد يساويه في العناية بأقواله واجتهاداته أحدٌ من تلامذته؟!
الرابع: وقد فهم إمامٌ آخر كلام البخاري بغير فهم بعض المتأخرين، وكنت قد ذكرته أيضًا في (المرسل الخفي) ، وهو ابن عدي، ولابن عدي عناية كبرى بالبخاري وكتبه، وتتلمذ على جمع من الرواة عن البخاري، ثم هو ذلك الإمام الفحل صاحب (الكامل) ، الذي وافق اسمه حقيقته.
الخامس: ثم وافق هذا كله استقراء ودراسة لأحد المتخصصين، وهو الدكتور مسفر الدميني.
والاستقراء هو الحَكَمُ في مثل هذه المسائل!
ومع أني لم أكن اطلعت على هذا الاستقراء، ولم أطلع عليه إلى الآن، إلا أن الباحث الذي قام به (وهو الدكتور مسفر الدميني) - قد ذكر نتيجة استقرائه في كتاب آخر له، اطلعت عليه وعرفت منه تلك النتيجة، وهذا كله مما ذكرته بكل وضوح في (المرسل الخفي) .
ولا أظن أن من شروط قبول نتيجة الاستقراء أن أطلع عليه بنفسي، وإلا فلن نقبل كلَّ دعاوى الاستقراء، حتى لو ادَّعاها كبار العلماء: كالذهبي، وابن حجر، وغيرهما؛ لأننا لم نطلع على استقرائهم.
السادس: أنني كنت قد لاحظت من خلال البحوث والممارسة أن عبارة البخاري: (فيه نظر) لا يطلقها للدلالة على الضعف الشديد غالبًا، وهذه الممارسة ليست استقراءً تامًّا، ولا هي مثالين أو ثلاثة، غير أنها استقراء ناقص يفيد غلبة الظن.
فكيف إذا انضمَّ هذا الاستقراء الناقص إلى ما سبق كله؟!
فهل من العدل والإنصاف أن نصوِّر هذا كله بأنه مثالٌ أو مثالان؟! وهل من الأدب أن يوصف من اجتهد هذا الاجتهاد بذلك الاستخفاف؟!