بقوله:"ولم يعزم فيه على شيء"، كذا فهم الترمذي عبارة شيخه أنه متردد في حكيم بن جبير، أو متوقف فيه، وهذا التردد هو شأن الرواة خفيفي الضعف، الذين تتردد أحاديثهم بين التحسين والتضعيف.
ولابن عدي أكثر من تفسير لقول البخاري:"فيه نظر"، فيظهر أن هذه التفاسير تعتمد على اختلاف سياق كلام البخاري، وإلى حال الراوي أو المروي في واقعه، كما يعلمه ابن عدي.
فمن ذلك أنه نقل عن البخاري أنه قال عن بكير بن مسمار:"في حديثه بعض النظر"، فأعقبه ابن عدي بقوله:"لم أجد في رواياته حديثًا منكرًا، وأرجو أنه لا بأس به، والذي قاله البخاري هو كما قال، روى عنه أبو بكر الحنفي أحاديث لا أعرف فيها شيئًا منكرًا، وعندي أنه مستقيم الحديث".
فانظر إلى قوله:"والذي قاله البخاري هو كما قال"؛ مما يعني متابعته له، ثم يقول عن بكير بن مسمار:"لا بأس به"، و"مستقيم الحديث".
وتفسير آخر لابن عدي أنه ذكر في ترجمة ثعلبة بن يزيد الحماني أن البخاري قال عنه:"سمع عليًّا، روى عنه حبيب بن أبي ثابت، فيه نظر، لا يتابع في حديثه"، فقال ابن عدي بعد إخراجه حديثًا له:"ولثعلبة عن علي غير هذا، ولم أرَ له حديثًا منكرًا في مقدار ما يرويه، وأما سماعه من علي ففيه نظر، كما قال البخاري"، فها هو ابن عدي يفسر قول البخاري:"فيه نظر"بأنه ينفي وينكر سماع ثعلبة من علي - رضي الله عنه.
فهذان إمامان متقدمان من لباب الحديث وعلومه ومن أئمة الحديث، لا يحملان قول البخاري"فيه نظر"على أنه جرح شديد، كما ادُّعي! وكفى بهما في الجلائل العظام فضلًا عن فهم عبارة كلهم أبو عذرها، منهم بدأت، وإليهم تعود).
النقل الثالث عشر: قال الشيخ الدكتور حاتم العوني أيضًا في مقالة له نُشرت في (ملتقى أهل الحديث) : (فقد اطلعت على بعض الحوار المثمر الذي دار حول قول البخاري:"فيه نظر"، ولي حول هذا الموضوع وقفات:
الوقفة الأولى: أن الرأي الذي كنت قد ذكرته في كتابي المرسل الخفي (1/ 440 - 442) حول فَهْم عبارة البخاري تلك - لم يكن فهمًا مرتجلًا مبنيًّا على مثالين أو ثلاثة.
وكيف لمن تحمَّل شيئًا من أمانة العلم، ولمن عرف أن هذا العلم دين، فلا يجوز التجرؤ على مسائله بغير تثبت - أن يصل إلى هذا الحد من الاستخفاف بالعلم؟!
فلقد بنيت ذلك الرأي على عدة أمور:
الأول: دلالة اللفظ اللغوية، البعيدة كل البعد عن إرادة الضعف الشديد.