بحسناته في الدنيا إذا كانت تكون سيئات لا حسنات، وإذا كان قد تنعَّم بها في الدنيا ويُطعم بها في الدنيا، فقد يكون من فوائد هذه الحسنات ونتيجتها وثوابها في الدنيا أن يهديه الله إلى أن يتقرب بها إليه، فيكون له عليها أعظم الثواب في الآخرة ...
وهذا معنى قول بعض السلف: طلبنا العلم لغير الله، فأبى أن يكون إلا لله. وقول الآخر لما قيل له: إنهم يطلبون الحديث بغير نية، فقال: طلبهم له نية، يعني نفس طلبه حسن ينفعهم» [1] .
ويختم ابن تيمية هذا التصور الإسلامي الدقيق للأساس الفطري للأخلاق بقوله: «وعلى هذا فما ذكره الإمام أحمد [2] » عن نفسه هو حسن، وهو حال النفوس المحمودة المستقيم حالها، ومن هذا قول خديجة رضي الله عنها للنبي صلى الله عليه وسلم: إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتقري الضيف، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق. فهذه الأمور يفعلها محبة لما خُلق على ذلك وفُطر عليه، فعلمت أن النفوس المطبوعة على محبة الأمور المحمودة، وفعلها لا يوقعها الله فيهما يضاد ذلك من الأمور المذمومة، لما قال لها: قد خشيت على نفسي. قالت كلا والله لا يخزيك الله أبدًا ... الحديث» [3] .
ويربط ابن تيمية - رحمه الله - بين الدوافع الفطرية للأفعال المحمودة في نفسها وحركة الإرادة وحركة الإرادة الإنسانية النابعة منها، والثواب والعقاب والأمر والنهي الذين هم تكميل للفطرة، ويتوصل إلى أن الشريعة تكميل للفطرة الطبيعية، والفطرة الطبيعية عون على الإيمان بالشرع والعمل به ... يقول: «وهذا الحب والإحساس الذي خلقه الله في النفوس هو الأصل في كل حسن وقبح وكل حمد وذم، فإنه لولا الإحساس الذي يعتدُّ به في حب حبيب وبغض لما وجدت حركة إرادية أصلًا تحرك شيئًا من الحيوان باختياره، ولما كان أمر ونهي وثواب وعقاب؛ فإن الثواب إنما هو بما تحبه النفوس وتتنعم به، والعقاب إنما هو ما تكره النفوس وتتعذب به، وذلك إنما يكون بعد الإحساس، فالإحساس والحب والبغض هو أصل ما يوجد في الدنيا والآخرة من أمور الحي، وبه حسن الأمر والنهي والوعد والوعيد، وذلك الأمر والنهي والوعد والوعيد هو تكميل للفطرة، وكل منهما عون على الآخر، فالشريعة تكميل للفطرة الطبيعية، والفطرة الطبيعية مبدأ وعون على الإيمان بالشرع والعمل به، والعبد من دان بالدين الذي يصلحه فيكون من أهل العمل
(1) المرجع السابق ص 450.
(2) المذكور آنفًا عندما قال:"لله عزيز، ولكن حبب إليَّ ففعلته".
(3) رواه البخاري في عدة مواضع منها: رقم 4953 (كتاب التفسير، سورة اقرأ) .