فهرس الكتاب

الصفحة 100 من 172

وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [البقرة: 216] .

ويعالج ابن تيمية - رحمه الله - مسألة دقيقة تتعلق بالسلوك الأخلاقي ودوافعه الفطرية. تدور هذه المسألة حول عمل الإنسان الأخلاقي النابع من هذه الدوافع الفطرية، ويقوم به الإنسان لمجرد محبته للأمور الحسنة، لا يعمله لوجه الله تعالى، فهل يقدح هذا بعمله؟ وهل عمله من الرياء أو الإشراك بالله عز وجل؟.

يجيب ابن تيمية عن هذه المسألة الدقيقة فيقول: «فيما إذا كان في العبد محبة لما هو خير وحق ومحمود في نفسه، فهو يفعله لما فيه من المحبة له، لا الله، ولا لغيره من الشركاء، مثل أن يحب الإحسان إلى ذوي الحاجات، ويحب العفو عن أهل الجنايات، ويحب العلم والمعرفة وإدراك الحقائق، ويحب الصدق والوفاء بالعهد وأداء الأمانة وصلة الرحم، فإن هذا كثير غالب في الخلق في جاهليتهم وإسلامهم، في قوتي النفسي العلمية والعملية، فإن أكثر طلاب العلم يطلبونه محبة، ولهذا قال أبو داود للإمام أحمد بن حنبل: طلبت هذا العلم - أو قال: جمعته لله؟ فقال: لله عزيز، ولكن حبب إلي ففعلته.

وهذا حال أكثر النفوس، فإن الله عز وجل خلق فيها محبة للمعرفة والعلم وإدراك الحقائق، وقد يخلق فيها محبة للصدق والعدل والوفاء بالعهد، ويخلق فيها محبة للإحسان والرحمة للناس، فهو يفعل هذه الامور: لا يتقرب بها إلى أحد من الخلق، ولا يطلب مدح أحد، ولا خوفًا من ذمه، بل لأن هذه الإدراكات والحركات يتنعم بها الحي ويلتذّ بها، ويجد بها فرحًا وسرورًا، كما يلتذ بمجرد سماع الأصوات الحسنة، وبمجرد رؤية الأشياء البهجة، وبمجرد الرائحة الطيبة» [1] .

وبعد أن يذكر ابن تيمية وجود هذه الدوافع الفطرية للسلوك الأخلاقي عند الإنسان بعامة، يقوِّم هذا السلوك بالميزان الإسلامي العادل المنصف، وبمحاكمة عقلية سليمة فيقول: «إن محبة هذه الأمور الحسنة ليس مذمومًا ولا محمودًا، ومن فعل هذه الأمور لأجل المحبة لم يكن مذمومًا ولا معاقبًا، ولا يقال إن هذا عمله لغير الله، فيكون بمنزلة المرائي والمشرك، فذاك هو الشرك المذموم، وأما من فعلها لمجرد المحبة الفطرية فليس بمشرك، ولا هو أيضًا متقربًا بها إلى الله، حتى يستحق عليها ثواب من عمل لله وحده، بل قد يثيبه عليها بأنواع من الثواب: إما زيادة فيها من أمثالها، فيتنعَّم بذلك في الدنيا، ولهذا كان الكافر يجزى على حسناته في الدنيا وإن لم يتقرب بها إلى الله، ولو كان فعلُ كل حسن إذا لم يفعل لله مذمومًا يستحق به صاحبه العقاب لما أُطعم الكافر

(1) رسالة فيما إذا كان في العبد محبة لابن تيمية ص 445.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت