وهكذا فإننا نجد العقل عند ابن تيمية يكبح جموح الهوى، والحب المنحرف، ويسدده نحو طريق النجاة، وإن ضعف هذا العقل هو الذي يؤدي بالإنسان إلى الفساد والابتعاد عن طريق الله. يقول - رحمه الله: «نعم قد يسلم المحب لضعف عقله، وفساد تصوره طريقًا لا يحصل بها المطلوب، فمثل هذه الطريق لا تحمد إذا كانت المحبة صالحة محمودة فكيف إذا كانت المحبة فاسدة، والطريق غير موصل كما يفعله المتهورون في طلب المال والرئاسة والصور في حب أمور توجب لهم ضررًا، ولا يحصل لهم مطلوبًا، وإنما المقصود الطرق التي يسلكها العقل لحصول مطلوبه» [1] .
وعاطفة الحب لدى ابن تيمية تزيد وتنقص، وزيادتها إذا كانت مسترشدة بهدى الله وبالعقل تبقى سليمة ومحمودة، أما إذا زادت عن حدّها وتحولت إلى عشق فهنا يكمن خطر العاطفة المتزايدة على الإنسان ودينه وعقله، يقول - يرحمه الله - محللًا عاطفة الحب تحليلًا عميقًا، ومبينًا تطورها لدى بعض الناس: «مثال ذلك أن الإنسان يعلم من نفسه تفاضل الحب الذي يقوم بقلبه، سواء كان حبًا لولده أو لامرأته أو لرياسته أو وطنه أو صديقه أو صورة من الصور أو خيله أو بستانه أو ذهبه أو فضته، وغير ذلك من أمواله، فلما أن الحب أوله علاقة لتعلق القلب بالمحبوب، ثم صبابة الأنصاب القلب نحوه، ثم غرامٌ للزومه القلب كما يلزم الغريم غريمه، ثم يصير عشقًا إلى أن يصير تتيمًا - والتتميم التعبد، وتيم الله عبد الله - فيصير القلب عبدًا للمحبوب، مطيعًا له لا يستطيع الخروج عن أمره، وقد آل الأمر بكثير من عشاق الصور إلى ما هو معروف عند الناس، مثل من حمله على قتل نفسه وقتل معشوقه، أو الكفر أو الردة عن الإسلام، أو أفضى به إلى الجنون وزوال العقل، أو أوجب خروجه عن المحبوبات العظيمة من الأهل والمال والرياسة، أو إمراض جسمه» [2] .
وهكذا فإننا نلمح في فكر ابن تيمية أن العاطفة والعقل أمران مهمان للإنسان، وبهما تتشكل ذاته، وأن لا صراع بينهما إلا إذا ضعف دور العقل، وزادت العاطفة عن حدها، هنا تغلب العاطفة العقل، ويختل التوازن النفسي بينهما، فينحرف الإنسان تبعًا لذلك عن طريق الهدى والفطرة السليمة.
أما إذا سار باتزان على طرق الهدى والعلم والاستقامة، فإنهما يشكلان المؤمن المفعم قلبه بالإيمان، محبًا لله ولرسوله وللمؤمنين، قال تعالى: {وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} [البقرة: 165] ، وقال
(1) فتاوى الرياض 10/ 193.
(2) فتاوى الرياض 7/ 566، 567.