والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ويدفعه أيضًا إلى التضحية بالنفس والمال إن تعرض هؤلاء لمكروه.
-أما الآثار الضارة فهي سيطرة العاطفة على شخصية الإنسان وعلى عقله وحكمته وسلوكه كله، فتتلون شخصية الإنسان بلون العاطفة، فتصبح العواطف هي السائدة، مثل عاطفة حب النساء والمال والجاه والمنصب واللباس ... فيصبح هؤلاء جميعا محور تفكيره وشغله الشاغل ... حتى يستبعد من قبلها، فيبتعد عن طريق الله المستقيم المتوازن، فضلًا عن الآثار المترتبة عن العشق عند الصوفية، حتى يصل ببعضهم إلى السكر - في مصطلحهم - أو الفناء [1] ... ومن ثم الخروج من دائرة التصور الإسلامي للكون والحياة والإنسان، يقول الشاعر الإسلامي الكبير محمد إقبال [2] : «إن حالة السكر (في اصطلاح الصوفية) تنافر الإسلام وقوانين الحياة، وحالة الصحو، وهي الإسلام، موافقة قوانين الحياة، وإنما قصد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى إنشاء أمة صاحية (في حالة الصحو) » [3] .
وكما ذكرنا آنفًا عن ابن تيمية - رحمه الله - أن العشق في مصطلح التصوف إذا قوي لدى المسلم، فإنه يخرجه عن الإسلام وشريعته، فإن محمد إقبال - رحمه الله - يكرر المقولة نفسها، حينما نقد التصوف العجمي [4] وشعراءه قائلًا: «وقد افتن هؤلاء الشعراء في إبطال شرائع الإسلام بأساليب عجيبة خداعة ... وأبانوا عن وجه مذموم في كل أمر ممدوح في الإسلام، وأضرب الجهاد مثلًا؛ فقد التمس شعراء العجم معنى آخر في هذه الشعيرة التي يراها الإسلام من ضرورات الحياة، انظر إلى هذه الرباعية:
«يسلك الغازي كل سبيل من أجل الشهادة، ولا يدري أن شهيد العشق أفضل منه، كيف يستوي هذا وذاك يوم القيامة، هذا قتيل العدو، وذاك قتيل الحبيب» [5] .
والعقل أيضًا قد ينحرف، وذلك حين يتخلى عن الوحي والإيمان، ويباهي بنظرياته وحدوسه، ظانًا أنه توصل إلى الحقيقة، وإلى سعادة الإنسان بينما هو لم يحصل إلا إلى ظنون وأوهام لا حقيقة وراءها ... ورأينا عند دراستنا العقل عند الإمام ابن تيمية - الفصل الثاني من هذه الدراسة -
(1) السُّكْر: ضد الصحو، وهو من أحوال الصوفية، حيث يغيب فيها الإنسان عن وعيه.
(2) محمد إقبال: شاعر ومفكر إسلامي كبير، ولد في 24 من ذي الحجة، سنة 1289 هـ (22 شباط سنة 1873 م) في سيالكوت بالهند قبل نشوء باكستان، وهي الآن جزء من باكستان، وكان له الأثر الكبير في نهضة المسلمين في الهند وإنشاء دولة باكستان. وتوفي عام 1938 م.
(3) محمد إقبال سيرته وفلسفته وشعره، عبد الوهاب عزام ص 63.
(4) محمد إقبال سيرته وفلسفته وشعره، عبد الوهاب عزام ص 65.
(5) محمد إقبال سيرته وفلسفته وشعره، عبد الوهاب عزام ص 65. والرباعية من شعر حافظ الشيرازي.