النائية. والتاجر المسلم - كما نعلم - داعية إلى الإسلام بحكم روحه العالية، ومعاملته الراقية، وسلوكه المستقيم؛ فكانت هذه العوامل الإسلامية محركة للإنسان الأوروبي حتى أيقظته من سبُاته.
وبهذه المناسبة نذكر من المراجع المنصفة الموضحِّة لأثر الإسلام في الحضارة الأوربية بل الحضارة العالمية، نذكر (كتاب شمس الله على أرض الظلمات) : للباحثة الألمانية زيغريد هونكه (ت 1420 هـ) . هذه هي الترجمة الصحيحة لاسم الكتاب كما أرادته مؤلفته، ولكن صدرت لهذا الكتاب ترجمتان؛ إحداهما دخل فيها اللوث القومي (!!) فزُوِّر اسم الكتاب فأصبح: (شمس العرب تسطع على الغرب) (!!) .
فلما استيقظ الأوربيُّون وجدوا أنفسهم خالين من ألوان العلوم والفنون التي يحتاجون إليها، فأخذوا ما لدى المسلمين من ألوان المعرفة وتطبيقاتها.
ثم جاء الوقت ليبدأ المسلمون نهضتهم بعوامل أهمُّها وبدايتها النداء الصارخ بالعودة إلى الإسلام الخالص والتوحيد الصافي، على جهود الشيخ محمد بن عبد الوهاب (ت 1206 هـ) ومؤازرة الإمام محمد بن سعود (1179 هـ) ، ووجد المسلمون أنفسهم - في أقطارهم كافة - وفي طليعتها مصر - نعم وجد المسلمون أنفسهم خالين من العلوم وتطبيقاتها وَفق ما يحتاجه العصر، فأقبلوا ينقلون مما عند الأوربييّن من العلم والمعرف على اختلاف أنواعها وأصنافها بعد أن تقدَّمت تقدُّمًا خطيرًا وبلغت شأوًا بعيدًا.
ولكن هنا وقفة لا بدَّ منها وتكاد تكون هي بيت القصيد، فالعلوم في هذه المرّة عليها بصمات الفكر الأوروبي الذي اصطنع بالعلمانية والاتجاه العلماني.
قد كانت العلوم عند المسلمين تسبيحًا بحمد الله، وتسخيرًا لنعم الله، وكشفًا عن سنن الله، واستجابة لأمر الله، وتعميقًا للإيمان بمعرفة الآيات الدالة على الله وأسمائه الحسنى.
ولكن العلم ببصمات الفكر الأوروبي خرج عن مساره الطبيعي الصحيح - أعني الإيماني - فأصبح مبتورًا عن خالق الكون وخالق الإنسان والحياة، أصبح علمانيًا - كما أشرت -.
يقول الأستاذ محمد المبارك (ت 1402 هـ) ، في تلخيص حالة الفكر الأوروبي: «ونستطيع أن نلخص هذه (الخلفية العقائدية) المشتركة بين فروع المعرفة والثقافة الغربية بقولنا: الوجود كلُّه منحصر في الإنسان والطبيعة، وهو [الإنسان] جزء منها ونوع من أنواعها، والطبيعة وُجدت هكذا بنفسها، وكذلك سُننها أو قوانينها؛ فهي مقدَّرة بنفسها من غير مقدِّر لها.
والعقل وحده طريق معرفة الحقائق [كافّةً] وليس ثمة طريق آخر.