فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 172

الكلام من سقيمه، وفاسد المعنى من صالحه، كالميزان، فإني أعرف به الرجحان من النقصان، والشائل من الجانح [1] ، فقال أبو سعيد: أخطأت، لان صحيح الكلام من سقيمه يعرف بالنظم المألوفو والإعراب المعروف، إذا كنا نتكلم بالعربية، وفاسد المعنى من صحيحه يعرف بالعقل، إذا كنا نبحث بالعقل ... وهبك عرفت الراجح من الناقص عن طريق الوزن، فمن لك بمعرفة الموزون؟ أيما هو: حديد أو ذهب أو شبه [2] ، فاراك بعد معرفة الوزن فقيرًا إلى معرفة جوهر الموزون، وإلى معرفة قيمته وسائر صفاته التي يطول عدها، فعلى هذا لم ينفعك الوزن الذي كان عليك اعتماده، وفي تحقيقه كان اجتهادك، إلا نفعًا يسيرًا من وجه واحد».

وبعد مناقشة طويلة حول فضل اليونان على الفلسفة والحكمة، وحول مسائل لغوية، ومصطلحات فلسفية ومنطقية، يقول أبو سعيد السيرافي: «قد سمعت قائلًا يقول: الحاجة ماسة إلى كتاب البرهان، فإن كان كما قال، فلم قطع الزمان بما قبله من الكتب؟ وإن كانت الحاجة قد مست إلى ما قبل البرهان، فهي أيضًا ماسة إلى ما بعد البرهان، وإلا فلم صنف ما لا يحتاج إليه ويستغنى عنه؟ وإنما بودكم أن تشغلوا جاهلًا، وتستذلوا عزيزًا، وعنايتكم أن تهولوا بالجنس والنوع والخاصة والفصل والعَرَض والشخص، وتقولوا الهليَّة والأينية [3] والكيفية والكمية والذاتية والعرضية والهيولية والصورية والأيسية والليسية [4] ، ثم تتطاولون فتقولون جئنا بالسحر ... هذه كلها خرافات وترهات ومغالق وشبكات، ومن جاد عقله ولطف نظره وثقب رأيه وأنارت نفسه، استغنى عن هذا كله بعوض الله وفضله، وجودة العقل وحسن التمييز، ولطف النظر وثقوب الرأي، وإنارة النفس من منائح الله الهنية ومواهبه السنية، يختص بها من يشاء من عباده، وما أعرف لاستطالتكم بالمنطق وجهًا ... هل فصلتم بالمنطق بين مختلفين؟ أو رفعتم الخلاف بين اثنين؟ أتراك بقوة المنطق وبرهانه اعتقدت أن الله ثالث ثلاثة؟» [5] .

وبعد أن يذكر ابن تيمية نقد المنطق عند من سبقوه يقول في كتابه (نقض المنطق) : «إننا لا نجد أحدًا من أهل الأرض حقق علمًا من العلوم وصار إمامًا فيه بفضل المنطق، لا من العلوم الدينية ولا غيرها، فالأطباء والمهندسون وغيرهم يحققون ما يحققون من علوم بغير صناعة المنطق، وقد

(1) الشائل: المرتفع، والجانح: المنخفض.

(2) الشبه: النحاس الأصفر.

(3) الهَلِّية: نسبة إلى (هَلْ) الاستفهامية. والأَيْنية: نسبة إلى (أَيْن) التي يكون بها الاستفهام عن المكان.

(4) الأيسية: نسبة إلى (أَلْيس) ويريد بها الإثبات. واليسية: نسبة إلى (لَيْس) ويريد بها النفي.

(5) راجع هذه المناظرة في (الإمتاع والمؤانسة) ص 104، الليلة الثالثة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت