فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 172

صنف في الإسلام علوم النحو والعروض والفقه وأصوله وغير ذلك، وليس في أئمة هذه الفنون من كان يلتفت إلى المنطق، بل عامتهم كانوا قبل أن يعرف المنطق اليوناني» [1] .

ويؤكد ابن تيمية أن المنطق اليوناني لا فائدة فيه، ولا يوصل إلى حقيقة «فلو كان صحيحًا يوصل إلى حقيقية يقينية أو يحسم خلافًا، لما بقي في الناس قضية يختلفون من أجلها، ولا سرًا إلا تواصلوا إلى اكتشافه وفهموه، ولما شاعت الفرق والمذاهب الفلسفية المتضاربة التي يهدم بعضها بعضًا» [2] .

وبعد أن يبين ابن تيمية عقم المنطق الأرسطي، وينقده نقدًا لاذعًا، يخط طريق المعرفة الصحيح الموصل إلى اليقين العلمي.

وهذا الطريق يقوم على التجربة التي يعدها ابن تيمية وحدها التي تؤدي إلى تكوين الكليات العقلية اليقينية [3] .

والتجربة تحتاج إلى الحس والعقل لتكوين العلم، فالحس يدرك أن شرب الماء يؤدي إلى الري، وقطع العنق يؤدي إلى الموت، والضرب الشديد يوجب الألم إذا تعلقت بشخص معين.

والعقل يعمم هذه التجربة لتصبح قضية عامة، لا تخص فردًا بعينه، فالقول كل من يقطع عنقه يموت هي قضية لا تدرك بالحس وحده بل بالحس والعقل وقد سمى ابن تيمية اشتراك الحس والعقل بتكوين العلم بقياس الغائب على الشاهد، وقد اقتبس «جون ستيوارث مل» [4] هذه الفكرة من ابن تيمية.

ولم تكن هذه الفكرة هي الوحيدة المقتبسة من ابن تيمية، بل إن المنهج التجريبي الذي يدعي الغرب أنه هو الذي استحدثه، كان من نتاج الفكر الإسلامي، وقد اعترف بهذا المفكر الغربي (بريفولت) في كتابه: (بناء الإنسانية) حيث يقول: «إن روجر بيكون - واضع المنهج التجريبي بنظر الغرب - درس اللغة العربية والعلم العربي في مدرسة أكسفورد على خلفاء معلميه العرب في الأندلس، وليس لروجر بيكون ولا لسميّه - فرنسيس بيكون - الذي جاء بعده الحق في أن ينسب إليهما الفضل في ابتكار المنهج التجريبي، فلم يكن روجر بيكون إلا رسولًا من رسل العلم والمنهج الإسلاميين إلى أوروبا المسيحية، وهو لم يملَّ قط من التصريح بأن تعلُّم معاصريه للغة

(1) نقض المنطق، لابن تيمية، ص 168.

(2) المرجع نفسه، ص 169.

(3) الرد على المنطقيين، لابن تيمية ص 386.

(4) جون ستيوارث مل: (1806 - 1873 م) فيلسوف واقتصادي إنكليزي، من أتباع المدرسة التجريبية، له كتاب: في المنطق الاستدلالي والاستنتاجي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت