بعد تصور المراد، فلا بد أن يكون القلب متصورًا، فيكون منه هذا وهذا، ويبتدئ ذلك من الدماغ، وآثاره صاعدة إلى الدماغ، فمنه المبتدأ وإليه الانتهاء» [1] .
والإمام ابن تيمية حين يتحدث عن أهمية الدماغ بقوله: «فمنه المبتدأ وإليه الانتهاء» كما مر آنفًا، في كل أمر إرادي أو عقلي، قد سبق عصره بمئات السنين، حيث لم يتوصل إلى هذه الأهمية إلا في العصر الحاضر، وبعد جهود مضنية للعلماء المعاصرين، توصلوا بعدها إلى أهمية الدماغ البشري للإحساس والإدراك والتصور والإرادة والخيال، وكل الأمور العصبية والنفسية.
ومن أهم ثمار العقل هو الوعي، الذي يعد الجزء التنفيذي في حياة الإنسان، فهو الذي يتخذ القرارات، وينفذها بعد اكتمال تصورها بالإرادة المفطورة فيه [2] .
ولا نريد أن ندخل في جدال حول الوعي ...:
-هل يمثل صفة مادية أم غير مادية؟.
-وهل العقل والدماغ شيء واحد؟.
-أم هما شيئان مختلفان؟.
حيث بُحثت هذه النقطة في فقرة صلة العقل بالدماغ آنفًا.
والذي يهم القارئ هو أن ابن تيمية يركز على العمل ونتائجه أكثر من البحث في أصول الأشياء وعلاقاتها بعضها ببعض ... حيث يؤكد أن العمل حتى يكون مثمرًا ومفيدًا لا بد وأن يسبقه عند الإنسان العاقل تصور دقيق لما يريده، ثم يتحرك لتنفيذ الصورة المطلوبة، وهذا التصور لا يكون إلا بالوعي أو بالعقل، وأداته هو الدماغ، مركز التخيل والتصور ... يقول - رحمه الله: «العاقل الفاعل فعلًا باختياره يتصور ما يريد أن يفعله في نفسه، ثم يوجده في الخارج، فتلك الصورة الموجودة بفعله ليست هي الصورة المعقولة بذهنه، كمن أراد أن يصنع شكلًا مثلثًا أو مربعًا، أو يصف خطة، أو يبني دارًا، أو يغرس شجرة، أو يسافر إلى مدينة، فإنه يتصور ما يريده ابتداء، فتكون له صورة عقلية في نفسه قبل صورته التي يوجدها في الخارج» [3] .
وهكذا نجد أن مراحل العمل الإرادي أو الحركة الإرادية عند ابن تيمية - يرحمه الله - وفق هذا التسلسل:
1 -العقل أو الوحي ــ 2 - الإرادة ــ 3 - التصور ــ 4 - الهِمَّة ــ 5 - العمل.
(1) فتاوى الرياض 9/ 304.
(2) انظر أبجديات العقل البشري، د. محمد منير المعرَّاوي، دار إيلاف، بريطانيا، 1416 هـ/1996 م.
(3) درء تناقض العقل والنقل 10/ 51.