وأن الأرباح تكون على نسبة رؤوس الأموال، فيأخذون في اكتساب الحيوان والنبات لاستغلاله في شراء البضائع والتعرض بها لحوالة الأسواق, ويحسبون ذلك إدرارًا للجباية وتكثيرًا للفوائد، وهو غلط عظيم وإدخال الضرر على الرعايا من وجوه متعددة، فأولًا مضايقة الفلاحين والتجار في شراء الحيوان والبضائع وتيسير أسباب ذلك، فإن الرعايا متكافئون في اليسار متقاربون، ومزاحمة بعضهم بعضًا تنتهي إلى غاية موجودهم أو تقرب، وإذا رافقهم السلطان في ذلك، وما له أعظم كثيرًا منهم فلا يكاد أحد منهم يحصل على غرضه في شيء من حاجاته" [1] ."
قد يبدو أن هناك شيئًا من التعارض بين هذه الأقوال وما سبق تقريره حيال المشروعات العامة. ودرءًا لهذا التعارض ذهب بعض الباحثين إلى أن مقصود هؤلاء العلماء ليس قيام الدولة كجهاز حاكم بإقامة هذه المشروعات، قد يكون قيام الحكام بذلك لأنفسهم ولمصلحتهم هم وليس من أجل المصلحة العامة. هذا التأويل فيه بعد. ونحن في سعة من القول به, ويمكن القول بأن ما قاله هؤلاء العلماء صحيح وسليم في ظل الفروض والواقع الذي شاهدوه، فهم يتحدثون عن منافسة الحكومة للقطاع الخاص، ودخولها معهم في حلبة النشاط الاقتصادي وكأنها مثلهم، تمارس هذه الأنشطة كما يمارسونها، وبالطبع فإنه في ظل هذه الفرضية فإن كل ما تخوفوا منه صحيح، ومن ثم كان موقفهم صحيحًا اقتصاديا وأيضًا شرعيا. لأن الدولة بذلك تضر ولا تصلح، وهي إنما جاءت لرعاية المصالح وحمايتها.
بيد أن نطاق القطاع العام في ضوء التصوير المتقدم لا يقوم على المنافسة والمضايقة واقتطاع حصة مما يدخل للقطاع الخاص، وإنما هو أسلوب لاستغلال الموارد العامة يمكن إتباعه إذا ما تبين بالدراسة العلمية الدقيقة أنه أمثل وأفضل من الأسلوب البديل؟ إن فكرة مزاحمة الأفراد في الفرص المتاحة وفي أنشطتهم من قبل الدولة مرفوضة إسلاميًا، وقد نص الفقهاء على أنه لا يجوز للدولة أن تحمي من الأراضي ما يضيق الفرص أمام الأفراد للاستفادة منها [2] ، فما بالنا بإقحام الدولة نفسها في مجالات يقوم بها القطاع الخاص على وجه سليم.
وفي النهاية نعود إلى لب موضوعنا ونطرح هذا التساؤل: إذا ما كان هناك قطاع عام ذو صبغة شرعية فهل من حق الدولة أن تخصصه؟ نقول إن كان تخصيص إدارة فالإجابة بنعم، بغير خلاف، حيال كل المشروعات العامة، شريطة أن يكون ذلك هو الأسلوب الأمثل.
(1) مقدمة بن خلدون، بيروت: دار القلم، ص 181.
(2) الماوردى، الأحكام، ص 185، قارن ابن قدامة، المغنى، جـ 5 ص 570.