فهرس الكتاب

الصفحة 138 من 165

الدولة بإقامة مشروعات زراعية أو صناعية أو تجارية، وما قد ينجم عن ذلك من تعارض مع ما سبق طرحه. وقد استهجن كل من الماوردي وابن خلدون والدمشقي قيام الدولة بممارسة النشاط الاقتصادي، أي بعبارة أخرى وجود قطاع عام اقتصادي. وكانت مبرراتهم في ذلك ما فيه من منافسة وتضييق على القطاع الخاص، إضافة إلى ما هنالك من عجز وقصور في أداء المشروعات العامة، وكذلك ما يضيع على الدولة من الإيرادات العامة التي كان لها الحصول عليها من المشروعات الخاصة. وبالاختصار كان هؤلاء العلماء رواداٌ حقيقيين للفكر الاقتصادي المعاصر الذي ينادى بكف يد الدولة عن ممارسة النشاط الاقتصادي لما يجلبه ذلك من مضار جسيمة على الاقتصاد القومي. ومن المفيد للقارئ أن نضع أمامه فقرات من أقوال هؤلاء العلماء:

• يقول الماوروى: (وعليه-يعنى السلطان- ألا يعارض صنفاٌ من الرعايا في مطلبه وألا يشاركه في مكسبه، وربما كان للسلطان رأى الاستئثار من أحد الأصناف فيتمثل إليه من لم يألفه، فيختل النظام بهم فيما نقلوا إليه، لأن تميزهم بإلهام الطابع أعدل في ائتلافهم من التصنع لها، وربما ضن السلطان بمكاسبهم فتعرض لهم وشاركهم فيها، فتاجر مع التجار وزرع مع الزراع، وهذا وهن في حقوق السياسة وقدح في شروط الرياسة من جهتين: أحدهما أنه أذا تعرض لأمر قصرت فيه يد من عداه فإن تورك عليه لم ينهض به وإن شورك فيه ضاق على أهله، وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال [ما عدل وال أتجر في رعيته] ، والثاني أن الملوك أشرف الناس منصبا، فخصوا بمواد السلطنة لأنها أشرف المواد مكسبا فإن زاحموا العامة في إدراك مكاسبهم أوهنوا الرعايا ودنسوا الممالك، فاختل نظامها وأعتل مرادها]، وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:(إذا اتجر الراعي هلكت الرعية) . [1]

• ويقول ابن خلدون"فصل في إن التجارة من السلطان مضرة بالرعايا مفسدة للجبايه. اعلم ان الدولة إذا ضاقت جبايتها بما قدمناه من الترف وكثرة العوائد والنفقات، وقصر الحاصل من جبايتها على الوفاء بحاجتها ونفقاتها واحتاجت إلى المزيد من المال والجباية، فتارة توضع المكوس على بيعات الرعايا وأسواقهم، وتارة بمقاسمة الوالي والجباه وإمتكاك عظامهم، لما يرون أنهم قد حصلوا على شيء طائل من أموال الجباية لا يظهره الحسبان، وتارة باستحداث التجارة والفلاحة للسلطان، لما يرون التجار والفلاحين يحصلون على الفوائد والغلات مع يسارة أموالهم"

(1) قوانين الوزارة، مرجع سابق، ص 67.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت