بديع، والله يشهد أني وضعت تقسيمات الموضوع قبل اطلاعي على هذا النقل النفيس، وفرحت غاية الفرح لما وجدتها قريبة منه، قال ابن القيم رحمه الله:"لا تعارض بحمد الله بين أحاديثه الصحيحة. فإذا وقع التعارض، فإما أن يكون أحد الحديثين ليس من كلامه صلى الله عليه وسلم وقد غَلِطَ فيه بعض الرواة مع كونه ثقة ثبتا، فالثقة يغلط، أو يكون أحد الحديثين ناسخا للآخر، إذا كان مما يقبل النسخ، أو يكون التعارض في فهم السامع، لا في نفس كلامه صلى الله عليه وسلم، فلا بد من وجه من هذه الوجوه الثلاثة."
وأما حديثان صحيحان صريحان متناقضان من كل وجه، ليس أحدهما ناسخا للآخر، فهذا لا يوجد أصلا، ومعاذ الله أن يوجد في كلام الصادق المصدوق الذي لا يخرج من بين شفتيه إلا الحق، والآفة من التقصير في معرفة المنقول، والتمييز بين صحيحه ومعلوله، أو من القصور في فهم مراده صلى الله عليه وسلم، وحمل كلامه على غير ما عناه به، أو منهما معا، ومن هاهنا وقع من الاختلاف والفساد ما وقع، وبالله التوفيق" [1] ."
ومهما يكن من شيء، فوقوع الخطأ في الأحاديث أقل من وقوعه عند تقليد كلام الفقهاء، كما قال الفلاني رحمه الله:"ووقوع الخطأ في فهم كلام المعصوم أقل بكثير من وقوع الخطأ في فهم كلام الفقيه المعين، فلا يفرض احتمال خطأ لمن عمل بالحديث وأفتى به إلا وأضعاف أضعافه حاصل لمن أفتى بتقليد من لا يُعلم خطؤه من صوابه" [2] .
ولفظ الأخطاء الحديثية ليس بدعا من القول، وقد استعمله الألباني رحمه الله حينما قال: وقد تبين لي من مقابلتي بعض المسائل في الطبعة القديمة التي وضعت عليها
(1) زاد المعاد في هدي خير العباد، لابن قيم الجوزية، 4/ 149 - 150، ط 26، تحقيق شعيب الأرناؤوط وعبد القادر الأرناؤوط، (لبنان- بيروت: مؤسسة الرسالة،1412 م-1992 ه) .
(2) إيقاظ همم أولي الأبصار للاقتداء بسيد المهاجرين والأنصار، لصالح الفلاني، ص 395، تحقيق: أبي عماد السخاوي، (الشارقة: دار الفتح، 1997 م-1418 ه) .