فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 265

إلا أن هذا لم يمنع المبرزين ممن قاربوا القرون الثلاثة من أن يتأتى لهم نفحات مما كان عليه أصحابها، حيث جمع بعض السلف بين العلوم بشكل ملفت، ولم يخل أي قرن من القرون من هذه الخاصية، تحقيقا لوراثة العلماء للأنبياء، ولبعث من يجدد للأمة دينها.

والذي يهمنا في هذا البحث هو التركيز على من جمع بين الحديث والفقه دفعة واحدة، فإذا رووا الحديث تجد نظرهم ثاقبا في نقد المتون وتصنيف الأحاديث وفهمها بما معهم من الفقه، وإذا انطلقوا إلى الفقه وجدتهم يتجولون في الأحاديث النبوية ويُعْمِلون معها القواعد الشرعية لاستنباط الأحكام الفقهية، فجمعوا بين الحسنيين، والنتيجة هي الأعمال الغزيرة النافعة المباركة التي خلفوها والتي يذهل أمامها العقل البشري المعاصر، وفيما يلي سرد لنماذج من هذه الصفوة المباركة.

نماذج ممن جمع الحسنيين:

ففي صفوف الصحابة رضوان الله عليهم، جمعتُ بين الستة المكثرين من الرواية والسبعة المكثرين من الفتوى حسبما ذكره السخاوي رحمه الله [1] ، فوجدت أن الأسماء التي تكررت فيهما معا هي: عبد الله ابن عمر، وأم المؤمنين عائشة و عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين.

ثم يليهم في الجمع بين المكثرين من الرواية والفتوى: أنس بن مالك، و جابر بن عبد اللّه، و أبو هريرة [2] وابن مسعود، وابن عمرو بن العاص.

(1) في المكثرين من الصحابة رضي الله عنهم رواية وإفتاء. فتح المغيث بشرح ألفية الحديث، للسخاوي، 4/ 42 - 46، دراسة وتحقيق عبد الكريم الخضير ومحمد آل فهيد، (المملكة العربية السعودية - الرياض: مكتبة دار المنهاج) .

(2) قال المباركفوري رحمه الله:"فائدة: قد تفوه بعض الفقهاء الحنفية بأن أبا هريرة لم يكن فقيها، وقولهم هذا باطل مردود عليهم، وقد صرح أجلة العلماء الحنفية بأنه رضي الله عنه كان فقيها، قال صاحب السعاية شرح الوقاية: وهو من العلماء الحنفية ردا على من قال منهم إن أبا هريرة كان غير فقيه ما لفظه: كون أبي هريرة غير فقيه غير صحيح، بل الصحيح أنه من الفقهاء الذين كانوا يفتون في زمان النبي صلى الله عليه وسلم كما صرح به ابن الهمام في تحرير الأصول وابن حجر في الإصابة في أحوال الصحابة انتهى"

وفي بعض حواشي نور الأنوار أن أبا هريرة كان فقيها صرح به ابن الهمام في التحرير، كيف وهو لا يعمل بفتوى غيره وكان يفتي بزمن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم وكان يعارض أجلة الصحابة كابن عباس فإنه قال إن عدة الحامل المتوفى عنها زوجها أبعد الأجلين، فرده أبو هريرة وأفتى بأن عدتها وضع الحمل كذا قيل". تحفة الأحوذي، للمباركفوري، 1/ 32، (لبنان- بيروت: دار الفكر) ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت