وأذكر أيضا الإمام أحمد رحمه الله، فإنه صاحب أشهر المسانيد في الحديث، وصاحب مذهب من المذاهب الأربعة، وقد اشتهر رحمه الله بجمعه للعلمين، وبالرغم من ذلك فقد ذكر ابن جرير الطبري رحمه الله أنه لم يكن فقيها، بل كان محدثا، ومالك وحده هو المحدث الذي يعد في الرعيل الأول بالإجماع والفقيه البصير بمواضع الفتوى ومصادرها [1] .
وأما الإمام أبو حنيفة رحمه الله فقد كثرت المؤاخذات عليه في الحديث، رغم أن له مذهبا فقهيا، فهناك من يضعفه رحمه الله في الحديث وهناك من يدافع عنه.
فالمستقر إذن، هو أن الجمع بين العلمين صعب جدا، ولا يتسنى إلا لمن فتح الله عليه كمن ذكرنا آنفا، ولذلك استصعبه العديد من السلف، لكن لا يعني هذا أن يُطْبَق عن هذا المقصد ويعزف عنه، ويتسرب الإحباط إلى الأمة، فما لا يدرك كله لا يترك كله أو جله، والناس درجات.
فالنماذج التي ذكرت، بلغت الذروة في العلمين، ولا يمنع من أن يدرك العالم قدرا محترما وإن لم يبلغ مبلغ أولائك الفحول، وبقدر ما يتمكن الإنسان من العلمين بقدر ما يكون جامعا بينهما حائزا على العلم الغزير.
فعلى الطالب الذي حاز مبادئ أحد العلمين، ألا يتوانى عن طلب مبادئ العلم الآخر كما حكى ابن نجيم رحمه الله:"وقيل كان سبب تفقه عيسى بن أبان هذه المسألة [2] ، وذلك أنه كان مشغولا بطلب الحديث، قال: فدخلت مكة في أول العشر"
(1) ذكر ذلك في قصص تحامل الحنابلة على ابن جرير، ومن ذلك ما أورده ابن الأثير في الكامل في التاريخ، 6/ 677 - 678، تحقيق: عمر عبد السلام تدمري، (لبنان - بيروت: دار الكتاب العربي، 1417 ه-1997 م) .
(2) هذه المسألة هي التي ذكرها ابن نجيم قبل هذا بقوله:" (قوله لا بمكة ومنى) أي لو نوى الإقامة بمكة خمسة عشر يوما فإنه لا يتم الصلاة؛ لأن الإقامة لا تكون في مكانين إذ لو جازت في مكانين لجازت في أماكن فيؤدي إلى أن السفر لا يتحقق؛ لأن إقامة المسافر في المراحل لو جمعت كانت خمسة عشر يوما أو أكثر إلا إذا نوى أن يقيم بالليل في أحدهما فيصير مقيما بدخوله فيه؛ لأن إقامة المرء تضاف إلى مبيته يقال فلان يسكن في حارة كذا، وإن كان بالنهار في الأسواق ثم بالخروج إلى الموضع الآخر لا يصير مسافرا وذكر في كتاب المناسك أن الحاج إذا دخل مكة في أيام العشر ونوى الإقامة نصف شهر لا يصح؛ لأنه لا بد له من الخروج إلى عرفات فلا يتحقق الشرط"