عليه، فالتفت إلي وقال لي: يا أبا محمد، ما أَشَرَّ البغي على أهله، والله ما عندي فيه شيء، أنت أنت، فقلت: يستفتيك، وأنا أجيبه، فقال إني سائلك، فقال: سمعت الأوزاعي والزهري يقولان: يدق الخردل دقا بالغا ويشم فإن عطس فقد كذب وإن لم يعطس فقد صدق فقال: جِئْتَ بها والله ما يعطس رجل انقطع شمه.
وقال ابن عبد البر أراد الأعمش الحج فلما بلغ الحيرة قال لعلي بن مشهد: اذهب إلى أبي حنيفة حتى يكتب لنا المناسك؛ ثم ذكر ابن عبد البر حكايات يطول ذكرها من تلبيس إبليس وغيره، فذكر فيه جهل المحدثين معرفة الأحكام" [1] ."
3 -المحدثون مجرد نقلة: يقصدون بهذا أن بعض المحدثين غاية همهم هو جمع الروايات ونقلها بين الناس ليستفيد منها ويتفقه فيها غيرهم، بينما تغيب معانيها وفقهها عنهم وهم أولى الناس بها، قال ابن الجوزي رحمه الله:"ذكر تلبيس إبليس على أصحاب الحديث."
من ذلك أن قوما استغرقوا أعمارهم في سماع الحديث، والرحلة فيه، وجمع الطرق الكثيرة، وطلب الأسانيد العالية والمتون الغريبة.
وهؤلاء على قسمين: قسم قصدوا حفظ الشرع بمعرفة صحيح الحديث من سقيمه، فهم مشكورون على هذا القصد، إلا أن إبليس يلبس عليهم بأن يشغلهم بهذا عما هو فرض عين عن معرفة ما يجب عليهم، والاجتهاد فِي أداء اللازم والتفقه فِي الحديث" [2] ."
فأنا أعجب كل العجب من حصول التنابز بين بعض طلبة العلم، وقد قرأنا وسمعنا ورأينا ما جرى من ذلك بين بعض أشياخنا حفظهم الله، فماذا تركوا لنا نحن الأفراخ؟ قال الإمام أحمد رحمه الله لطلابه:"اعلموا رحمكم الله تعالى أن الرجل من أهل العلم"
(1) الفتاوى الحديثية، ص 207 - 208، مرجع سابق.
(2) تلبيس إبليس، ص 698 - 699، مرجع سابق.