إذا منحه الله شيئا من العلم وحُرِمه قرناؤه وأشكاله، حسدوه فرموه بما ليس فيه وبئست الخصلة في أهل العلم" [1] ."
وما تولد من الغيرة التنافسية بين العلماء عامة، وبين التخصصات في العلوم خاصة، ليس وليد اليوم بل عرف عند السلف، حتى إنهم وضعوا قاعدة في الجرح والتعديل تحت عنوان:"كلام الأقران يُطوى ولا يُروى".
وبوب ابن عبد البر رحمه الله بابا عنوانه:"حكم قول العلماء بعضهم في بعض" [2] ، ذكر فيه مجموعة من الآثار منها ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما:"خذوا العلم حيث وجدتم ولا تقبلوا قول الفقهاء بعضهم على بعض؛ فإنهم يتغايرون تغاير التيوس في الزريبة" [3] ، وكذلك قال شعبة رحمه الله:"احذروا غيرة أصحاب الحديث بعضهم على بعض، فلهم أشد غيرة من التيوس" [4] .
لكن لا يحسن بطلبة العلم أن تدفعهم هذه الغيرة إلى الافتراء على زملائهم، فهذا منبوذ في العوام فضلا عمن تلبس بالعلم، قال الإمام الذهبي رحمه الله:"كلام الأقران بعضهم في بعض لا يُعبأ به، لا سيما إذا لاح لك أنه لعداوة أو لمذهب أو لحسد، ما ينجو منه إلا من عصمه الله، وما علمت أن عصرًا من الأعصار سلم أهله من ذلك سوى الأنبياء والصديقين، ولو شئت لسردت من ذلك كراريس" [5] ، وقال رحمه الله:"كلام الأقران إذا تبرهن لنا أنه بهوى وعصبية، لا يُلتفت إليه، بل يُطوى ولا"
(1) سير أعلام النبلاء، 10/ 58 الحاشية 1، مرجع سابق.
(2) جامع بيان العلم وفضله، 2/ 150، مرجع سابق.
(3) المرجع السابق، 2/ 151.
(4) الكفاية في علم الرواية، للخطيب البغدادي، أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي، أبو بكر، (الهند -حيدر آباد الدكن: دائرة المعارف العثمانية) ، ص 109.
(5) ميزان الاعتدال، للذهبي، 1/ 251، تحقيق: عادل احمد عبد الموجود وعلي محمد معوض، لبنان- بيروت: دار الكتب العلمية)،