آخر. وإما أن يتبع القول الذي ترجح في نظره بالنصوص الدالة عليه، وحينئذ فتكون موافقته لإمام يُقاوِم به ذلك الإمام، وتبقى النصوص سالمة في حقه عن المعارض بالعمل، فهذا هو الذي يصلح" [1] ."
وسبحان الله، تجد أصحاب الهوى والتقليد الأعمى للمذاهب، يردون الأحاديث الصحيحة التي خالفت أقوال أئمتهم، ثم يستنجدون بأحاديث واهية إذا كانت تقوي تلك الأقوال، فمدار قبول الحديث عندهم ليس على الصحة والضعف وإنما على موافقة قول الإمام وعدمه، قال المباركفوري رحمه الله:"ولعله [2] قد شعر بأنه قد ساد على العالم الإسلامي بعد القرن العاشر الهجري عامة؛ إما الفقه الجامد أو القاصر، أو التصوف المتخشن المفضي إلى الإلحاد، وإن كان هناك شيء في المدارس بإسم علوم الحديث فهو تابع للفقه المعاصر، ولم يكن يتعرض للروايات إلا في مجالس الوعظ والقصص، بغض النظر عن رطبها ويابسها، وصحيحها وسقيمها، أو لتأييد المذاهب الفقهية مهما كانت درجتها في الصحة والثبوت" [3] .
لكن والحمد لله ليس أتباع المذاهب على نسيج واحد، بل منهم منصفون رجعوا إلى بعض أمهات الكتب في مذهبهم ثم قاموا بتخريج أحاديثها، وبيان صحيحها من ضعيفها، لأن الفقهاء قد يتحملون بعض الأحاديث عن غيرهم ثم يستدلون بها ظنا منهم أنها صحيحة، في حين أن الواقع خلاف ذلك، أو أن تلك المرويات تكون سليمة فعلا، لكن الفقيه أثناء الأداء، يؤديها على خلاف الحقيقة، أو أنه يفهم غير المقصود منها؛ كل هذا ينبثق عنه أحكام خاطئة هم معذورون فيها ومأجورون عليها، لكن من النصح للعلماء أن تُبيَّن وتُصحح أوهامهم، وقد قيض الله لهذا الغرض فرسانا اقتحموا تلك المصنفات، ثم نخلوها نخلا، فتضاعفت الفائدة منها بحيث أضيف
(1) مجموع الفتاوى، 20/ 212 - 213، مرجع سابق.
(2) الشاه ولي الله الدهلوي - رحمه الله -.
(3) مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، للمباركفوري، 1/ 366، ط 3، (الهند - بنارس: إدارة البحوث العلمية والدعوة والإفتاء: الجامعة السلفية، 1404 هـ، 1984 م) .