فهرس الكتاب

الصفحة 583 من 2214

ومنهم من جعل عقله حكمًا لرفض أحاديث صحت سندًا ومتنًا ، بل في أرقى مراتب الصحاح ، كالأحاديث الثابتة المتعلقة بالغيبيات مثل الجنة، والنار ، وعلامات الساعة ، والملائكة ، والجن . ومن المعلوم أن النقل الصحيح لا يتعارض مع العقل السليم ، ولكن كيف نقيس الغائب على الشاهد ، وكيف نحكم العقل في أمور لا نعرف شيئًا عنها ، إلا بالنقل الصحيح ، فمتى ثبت النقل لزم التسليم . أحيانا ترى جاهلًا مغرورًا يقف أمام حديث متفق عليه ويقول: هذا مرفوض عقلا ! وكان عليه أن يسأل نفسه: أكان البخارى ومسلم وأحمد وغيرهم بلا عقول ؟ بل أعاشت الأمة أربعة عشر قرنًا بغير عقل حتى جاء بعقله ليستدرك عليها ؟ !

ومن أسوأ الطاعنين في عصرنا المستشرقون ، وأشد منهم خطرًا تلامذتهم المقلدون التابعون لهم .

والمستشرقون طعنوا في القرآن الكريم نفسه كما أشرت من قبل ، أما السنة فقد أنكروا وجود سنة يتصل سندها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، وقالوا بأن أقصى اتصال الأسانيد ينقطع ويتوقف عند نهاية القرن الأول . ومعنى ذلك أن السنة بحسب زعمهم تعتبر اختراعًا من اختراعات المسلمين المتأخرين ، أرادو أن يثبتوا أحكامًا فنسبوها للرسول صلى الله عليه وسلم . ثم لم ينسوا أن يطعنوا فيمن كان لهم دور كبير في السنة ، فمثلا طعنوا في أبى هريرة الصحابى الجليل رضى الله تعالى عنه ، الذى روى عنه أكثر من ثمانمائة من الصحابة والتابعين ، وهو كما قال الإمام الشافعى"أثبت من روى الحديث في دهره"، وطعنوا في ابن شهاب الزهرى ، الإمام الحجة الثبت ، أول من استجاب لعمر بن عبد العزيز في جمع السنة ... . وهكذا .

ثم ظهر اتجاه آخر عندهم ، اعتبره بعضهم هدمًا للفكر الاستشراقى ، ولذلك ثاروا على القائلين به ، مع أنه في النهاية يصل إلى البهتان نفسه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت