القرآن، وكذلك في معرفة سنّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فهم أعرف بمراده بأقواله، وأدرى بأفعاله وسيرته في سائر أحواله، وقد تقدّم بيان شيءٍ من ذلك.
والمقصود هنا: أن الفهم الصحيح للكتاب والسنّة هو الفهم المعتمِد على الأثر، فما جاء عن الصحابة من تفسيرهما فهو حقٌّ، وما لا يخالف أقوالهم مما تحتمِله ألفاظ النصوص ويوافق قواعد الشرع فهو مقبولٌ، أما ما خالفها مخالفة تضادٍّ فإنه باطلٌ مردودٌ.
ومما يوضِّح ذلك: قصّة ابن عبّاسٍ - رضي الله عنهما - في مناظرته للخوارج، وفيها أنه قال لهم: (أتيتكم من عند صحابة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - من المهاجرين والأنصار لأبلِّغكم بما يقولون وتخبروني بما تقولون، فعليهم نزل القرآن، وهم أعلم بالوحي منكم، وفيهم أُنزِل، وليس فيكم منهم أحدٌ) [1] .
وعن بُكَيْر بن عبدالله بن الأشجّ أنه سأل نافعًا، كيف كان رأي ابن عمر في الحروريّة [2] ؟ قال: (كان يراهم شرار خلق الله، انطلقوا إلى آيات الكفار فجعلوها في المؤمنين) [3] .
(1) أخرجه عبدالرزّاق في باب ما جاء في الحروريّة، 10/ 157، ح 18678: عن عكرمة بن عمّارٍ عن أبي زُميلٍ الحنفيّ (سماك بن الوليد) عن ابن عبّاسٍ. والنَّسائيّ في السنن الكبرى، كتاب الخصائص، ذكر مناظرة عبدالله بن عبّاسٍ الحروريّة، 7/ 479 - 481، ح 8522. والطبرانيّ 10/ 257، ح 10598. والحاكم في كتاب قتال أهل البغي، مناظرة ابن عبّاسٍ مع الحروريّة، 2/ 150 - 152، وهذا لفظه، وقال: (هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط مسلمٍ ولم يخرجاه) . ولم يتعقّبْه الذهبيّ. وعنه البيهقيّ في كتاب قتال أهل البغي، باب لا يُبدأُ الخوارج بالقتال، 8/ 179: من طريق عكرمة بن عمّارٍ به.
(2) الحروريّة من أسماء الخوارج، سُمّوا به لأنهم نزلوا بحَرُوراء في أوّل أمرهم. انظر: مقالات الإسلاميّين ص 127 - 128. وحَرُوراء، قيل: هي قريةٌ بظاهر الكوفة، وقيل: موضعٌ على ميلين منها. انظر: معجم البلدان 2/ 245، الأنساب ...
(3) رواه البخاريّ تعليقًا بالجزم في كتاب استتابة المرتدّين والمعاندين وقتالهم، باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجّة عليهم، 3/ 340. ووصله الطبريّ في مسنَد عليٍّ من تهذيب الآثار بسندٍ صحيحٍ. انظر: فتح الباري 12/ 286، تغليق التعليق 5/ 259.