فهرس الكتاب
وقال عمر - رضي الله عنه: (قد علمتُ متى صلاح الناس ومتى فسادهم، إذا جاء الفقه من قِبَل الصغير استعصى عليه الكبير، وإذا جاء الفقه من قِبَل الكبير تابعه الصغير فاهتديا) [1] .
قال ابن القيِّم: (وإنما كَثُر الاختلاف وتفاقم أمره بسبب التقليد وأهله، وهم الذين فرّقوا الدين وصيّروا أهلَه شيعًا، كل فرقةٍ تنصر متبوعها وتدعو إليه، وتذُمّ من خالفها، ولا يرون العمل بقولهم حتى كأنهم ملّةٌ أخرى سواهم، يدأبون ويكدحون في الردّ عليهم، ويقولون: كتبهم وكتبنا، وأئمّتهم وأئمّتنا، ومذهبهم ومذهبنا، هذا والنبيّ واحدٌ والقرآن واحدٌ والدين واحدٌ والربّ واحدٌ، فالواجب على الجميع أن ينقادوا إلى كلمةٍ سواءٍ بينهم كلِّهم، وألا يطيعوا إلا الرسول، ولا يجعلوا معه من تكون أقواله كنصوصه، ولا يتّخذ بعضهم بعضًا أربابًا من دون الله، فلو اتّفقتْ كلمتهم على ذلك وانقاد كلّ واحدٍ منهم لمن دعاه إلى الله ورسوله وتحاكموا كلُّهم إلى السنّة وآثار الصحابة لَقَلَّ الاختلاف وإن لم يُعْدَم من الأرض، ولهذا تجد أقلَّ الناس اختلافًا أهلَ السنة والحديث، فليس على وجه الأرض طائفةٌ أكثر اتّفاقًا وأقلُّ اختلافًا منهم؛ لما بَنَوْا على هذا الأصل، وكلّما كانت الفرقة عن الحديث أبعد كان اختلافهم في أنفسهم أشدّ وأكثر؛ فإن من ردّ الحقّ مَرَجَ عليه أمره واختلط عليه والتبس عليه وجه الصواب فلم يَدْرِ أين يذهب، كما قال تعالى: بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ
(1) أخرجه الخطيب في الفقيه والمتفقّه، بابٌ في فضل العلم والعلماء، 2/ 158، ح 782، قال: (أخبرنا عبدالملك بن محمّد بن عمر بن محمّدٍ الْجُمَحيّ حدّثنا عليّ بن عبدالعزيز(بن المرزُبان البغويّ) حدّثنا أبو نُعيمٍ الفضل بن دُكَينٍ عن سعد بن أوسٍ العبسيّ الكاتب عن بلال بن يحيى أن عمر قال)، فذكره. وابن عبدالبرّ في جامع بيان العلم 1/ 498، باب حال العلم إذا كان عند الفسّاق والأراذل، ح 1055 - 1056: من طريق أبي نُعيمٍ. وبلال بن يحيى العبسيّ صدوقٌ، 3، بخ 4. التقريب ص 180، وانظر: الكاشف 1/ 111. وذكر ابن حجرٍ أنه في مصنّف قاسم بن أصبغ بسندٍ صحيحٍ. انظر: فتح الباري 13/ 301 - 302.