وكان مُلك سليمان أقوى من مُلك أبيه وأشد وأوسع، وكان ذلك مظهر إجابة الله دعاءه لما دعا ربه قائلًا: {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ} [1] .
وكان لهذا الملك العريض، والمجد الواسع المديد مظاهر ذكرها القرآن الكريم وهي:
1 -علمه الله نطق الطير والحيوان وسخرها له.
2 -أسال له عين القطر.
3 -سخر له الريح تجري بأمره.
4 -سخر له الجن والشياطين يعملون بين يديه.
وقد أشكل على بعض الناس طلب سليمان هذا المُلك الذي لا ينبغي لأحد من بعده بسبب ما يوهمه ظاهر هذا الطلب من حب الدنيا، والرغبة في ملذاتها وعدم مشاركة غيره فيه.
وقد أزال القرطبي هذا الاستشكال بقوله:
«يقال: كيف أقدم سليمان على طلب الدنيا مع ذمها من الله تعالى، وبغضه لها وحقارتها لديه؟ فالجواب: أن هذا محمول عند العلماء على أداء حقوق الله تعالى، وسياسة مُلكه، وترتيب منازل خلقه، وإقامة حدوده، والمحافظة على رسومه، وتعظيم شعائره وظهور عبادته، ولزوم طاعته، ونظم قانون الحكم النافذ عليهم منه، وتحقيق الوعود في أنه يعلم ما لا يعلم أحد من خلقه حسب ما صرح بذلك لملائكته فقال: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [2] ، وحوشي سليمان عليه السلام أن يكون سؤاله طلبًا لنفس الدنيا لأنه هو والأنبياء أزهد خلق الله فيها، وإنما سأل مملكتها لله، كما سأل نوح دمارها وهلاكها لله، فكانا
(1) سورة ص، الأية: 35.
(2) سورة البقرة، الأية: (30) .