فهرس الكتاب

الصفحة 190 من 360

وابتدأت القصة بذكر أسبابها لتكون عبرة للمؤمنين، فلولا تجبر فرعون وجنوده ما حل به وبقومه الهلاك، ولَمَا خرج بنو إسرائيل من ذل العبودية {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ} [1] أي تكبر وبغى وجاوز الحد في الظلم، ولبس ثوب التأله وصار عاليًا مسيطرًا جبارًا، وصورت هذه الآية عظمة وعلو فرعون في الدنيا لتكون العبرة بهلاكه بعد ذلك العلو أكبر العبر. والعلو هو الارتفاع الذي تشهده الأبصار، وجاءت هنا بمعنى الكبر كالذي في قوله تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ} [2] وقوله تعالى: {وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا} أي: فرقًا ذات نزعات تتشيع كل فرقة إليه، وتعادي الفرقة الأخرى، ليتم له ضرب بعضهم ببعض، كما قال تعالى: {هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ} [3] وقال: {مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [4] .

كانت وسيلة فرعون في السيطرة على أهل مصر هذا التفريق وتقسيم أهل البلد الواحد شيعا وجماعات، فيعطي إحداهما امتيازات ويتخذ منها قادة وحكامًا، ويجعل الأخرى أهلها منقادين مستضعفين ومقهورين فكان {يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ} [5] ، والمراد بالفعل (يستضعف) العمل على جعلهم ضعفاء من خلال اضطهادهم وتسخيرهم في مصالحه العمرانية والزراعية وغير ذلك، ويعني بـ (طائفة) بني إسرائيل؛ لأن لهم عقيدة غير عقيدته هو وقومه، فهم يدينون بدين جدهم إبراهيم وأبيهم يعقوب عليهما السلام، و {يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ} عند ولادتهم كي لا يتكاثر عدد الرجال فيهم وبذلك يضعف قوتهم، {وَيسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ} ويبقى النساء على قيد الحياة للانتفاع منهن بالخدمة والتسخير، إهانة لهم واحتقارا، وخوفا من أن يوجد هذا الغلام الذي سيقضي على

(1) سورة القصص، الأية: 4.

(2) سورة القصص، الأية: 83.

(3) سورة القصص، الأية: 15.

(4) سورة الروم، الأية: 32.

(5) سورة القصص، الأية: 4.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت