نبي. ما سمعنا بشيء من هذا كائنا أو واقعًا في عهد آبائنا الأولين وقولهم هذا يدل على إعراضهم عن الحق، وعكوفهم على ما ألقوه بدون تفكر أو تدبر [1] . إنما يمارون بهذا القول كما يماري أصحاب الباطل.
وهنا رد موسى -عليه السلام- ردا منطقيا حكيمًا وهو واثق مطمئن إلى عاقبة المواجهة معهم، وفي الوقت ذاته موضح ناصح {وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَن جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِندِهِ} [2] أي: ربي الذي خلقني وخلقكم، أعلم مني ومنكم بمن جاء بالهدى والحق من عنده، وسيحكم بيني وبينكم بحكمه العادل. ولم يصرح موسى -عليه السلام- بأنه يريد نفسه، بالإتيان بالهداية لهم من عند الله تعالى ليكفكف من عنادهم وغرورهم وليرخى لهم حبل المناقشة، حتى يخرس ألسنتهم عن طريق المعجزات التي أيده الله تعالى بها [3] .
وقوله: {وَمَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ} معطوف على ما قبله. أي: وربي أعلم مني ومنكم بمن تكون له النهاية الحسنة، والعاقبة الحميدة [4] . وعبر في جانب {مَن جَاءَ بِالْهُدَى} بفعل المضي وفي جانب {مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ} بالمضارع لأن المجيء بالهدى المحقق والمزعوم أمر قد تحقق ومضى سواء كان الجائي به موسى أم آباؤهم الأولون وعلماؤهم. وأما كيان عاقبة الدار لمن فمرجو لما يظهر بعد [5] . وقوله: {إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [6] أي المشركون بالله -عز وجل- وهذا تذييل قصد به بيان سنة من سننه تعالى التي لا تختلف أي أنه -تبارك وتعالى- قد اقتضت سننه أن لا يفوز الظالمون
(1) طنطاوي، مرجع سابق، 10/ 407.
(2) سورة القصص، الأية: 37.
(3) طنطاوي، مرجع سابق، 10/ 407.
(4) طنطاوي، مرجع سابق، 10/ 407.
(5) ابن عاشور، مرجع سابق، 20/ 120.
(6) سورة القصص، الأية: 37.